ليبيا: المهام الموكولة للشعب

الخميس 2014/05/22

أستطيع أن أقول بثقة ويقين إن أبناء الشعب الليبي جميعا، عدا قلة قليلة جدا، تنظر بحسرة وألم، إلى ما استوطن بلادها من ميليشيات تنتمي إلى تنظيم القاعدة والإسلام المتطرف، وبنفس اليقين والثقة أقول إنهم جميعا يتطلعون إلى بناء دولة قادرة على فرض الأمن والنظام، ومنطق القانون، وإعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي، لكي يستطيع الناس ممارسة أعمالهم وتدبر معيشتهم، وتستطيع الدولة تسيير الخدمات، وإدارة المؤسسات، ومعاودة العمران، وترميم ما تهدم من آثار الحرب الماضية.

وبذات الثقة واليقين أقول، إن جميع أهل البلاد يتطلعون إلى يوم ينتفعون فيه بثروات بلادهم، ويأملون أن تصل عوائد النفط إليهم، على غرار دول الخليج العربي النفطية، وتحسين مستوى معيشتهم، وضمان التعليم الراقي لأولادهم وبناتهم، وتوفير مساكن لائقة لمن لا يملكون المسكن اللائق من أهلهم، وخدمات صحية تليق بدولة هي الأغنى بين كافة بلدان القارة الأفريقية.

وأضيف بنفس الثقة واليقين، أن أغلبهم يشاركونني الرأي، في أن ما أضر بمسيرة البلاد، بعد إزالة النظام السابق وتدمير آمالهم في بناء الدولة العصرية الحديثة، هو دخول التطرف الإسلامي وأهله على الخط، واختطاف البلاد إلى فكرهم الظلامي المتخلف، وإلحاق البلاد بالمجمعات التي تقع تحت سيطرة القاعدة، كما كان الحال في قندهار وكهوف تورا بورا وبعض مناطق العراق وسوريا التي تقع تحت دولة داعش، والصومال المحكومة من تنظيم القاعدة، وأضيف هنا إضافة أكدتها الأحداث الأخيرة في مصر، هي أن الإسلام المتطرف، يعتمد في تسويغه وتمهيد الطريق أمامه، على جماعات الإسلام السياسي التي تدعي الاعتدال والوسطية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، إلى حد أن صارت فيه الفروق تُمحى بين التطرف والاعتدال في هذه المنطقة التي تتداخل فيها السياسة مع الدين، ويصبح استخدام الدين استخداما يسيء للاثنين، أقصد للدين والسياسة، لأنه استخدام انتهازي للوصول إلى الحكم، ومتاجرة بإيمان الناس ومشاعرهم، واستغلال بشع لعمق الإيمان لدى رجل الشارع البسيط، الذي يسمع كلمة اشتهرت كثيرا في أزمنة مضت، مثل “الإسلام هو الحل”، فإذا به إسلام غريب على الإسلام لأنه إسلام القفز على مقاعد الحكم والمنافع الأرضية، والاستحواذ على غنائم السلطة، وليس إسلام العدالة والحق والصدق والأمانة والنزاهة والإنصاف، التي غابت عن كل أنواع الحكم التي يمارسها أهل هذا التوجه من متطرفين وغير متطرفين.

نعم، دخلت البلاد بسبب هذه الميليشيات المتأسلمة المتطرفة، وبتمهيد ومعاونة من كل جماعات الإسلام السياسي التي تدعي الاعتدال، في نفق صار يقتضي معجزة للخروج منه، وتصاعدت أصوات كثيرة من أطراف محلية وإقليمية ودولية، تسأل عن حل لهذه الأزمة التي دخلتها ليبيا، وأدخلت معها بعض دول الإقليم، وشكلت تهديدا لدول الجوار، على حوض البحر الأبيض المتوسط بضفتيه الجنوبية والشمالية، إلى حد وجود من طالب بجهد دولي، ربما في شكل قوات دولية تحت راية الأمم المتحدة أو تابعة للناتو، الذي يمكن استدعاء قواته بمنطوق البند السابع، وليبيا لم تخرج من سلطته بعد، لأن يمارس دور المنقذ من أهل التطرف وفروع القاعدة في ليبيا.

وربما هذه الدعاوى والنداءات لتدخل أجنبي، هي التي كانت حافزا وراء بعض القوى العسكرية المحلية، التي تدعي تبعية للجيش الليبي، بأن تدخل المواجهة مع هذه الميليشيات، وهي قد تواجه إخفاقا في إنجاز هذا التحدي، لأن هذه الميليشيات المتطرفة، حتى وإن بدت صغيرة في حجمها إلا أن لها امتدادات دولية، ولها دعم ونصرة خارج البلاد، يمكن أن تجعل اقتلاعها عبر الإمكانيات المحلية مهمة عصية على التحقق والإنجاز.

نعم قد تفعل هذا قوة عسكرية محلية، ولكن المواطن المدني المجرد من السلاح ماذا يستطيع أن يفعل في هذا السياق؟

إنه يستطيع أن يقدم الدعم السياسي، ويخرج إلى الشارع متظاهرا لصالح الأطراف التي تريد طرد الوجود العسكري المتطرف من البلاد، ويستطيع أن يخرج للمناداة بجمع السلاح الخارج على القانون، وأن يعبر عن رأيه عبر الصحافة والإعلام، وعقد الاجتماعات من خلال المجتمع المدني ومؤسساته، ولكن هؤلاء قوة غاشمة باطشة مجرمة لا يمكن اقتلاعها بغير القوة، ولهذا فإن جهده السياسي مهما تعاظم، فلن يكون له تأثيره القوي إلا إذا توازى مع قوة عسكرية من ناحية، ومن ناحية ثانية مع قوة شرعية متمثلة في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، تملك الأحقية في المطالبة بطرد هذه الميليشيات، وترحيل العناصر الأجنبية التي جاءت إلى ليبيا من أفغانستان والسودان ونيجيريا والصومال والجزائر، وتونس ومصر، لكي تحتمي بالبلاد وتعمل تحت الرايات السوداء للقاعدة وبناء قاعدة جديدة لها في ليبيا.

إذن ماذا بقي لهذا المواطن كي يفعله في هذا السياق؟ بقي أمامه شيء خطير وشديد الأهمية، هو الحرص على اختيار أعضاء يلتزمون بالانتماء إليه في مجلس النواب المؤقت القادم، فهناك استحقاق انتخابي بعد أيام قليلة، عليه أن يحرص على المشاركة فيه مهما كان الأمر، وأن يذهب إليه حتى لو كان مريضا يجرونه فوق سرير بعجلات، ليعطي صوته لمن يلتزم بتحرير ليبيا من هذه الميليشيات، ويعيد الوطن إلى مساره الصحيح، ويلتزم بالدولة الدستورية المدنية، وأصحاب الولاء لليبيا ولا أحد غيرها، ليس لتنظيم القاعدة، ولا لدولة الخلافة في اسطنبول، ولا لدولة الخلافة التي يبنيها أمير قطر في الدوحة، وإنما لليبيا أولا وأخيرا، وليبيا فوق الجميع وقبل الجميع، وخيرها لأهلها قبل أي أحد آخر، فلا دخول لمن يصرحون بالولاء لغير ليبيا، ولا دخول لمن يتاجرون بالدين، وينادون بدولة الخلافة، ولا دخول لغير من يريد خدمة ليبيا وأهلها، ويلتزم بأوامر شعبها، وليس مثل أعضاء المؤتمر الذي انتهت صلاحيته، ممن أظهروا العصيان والتمرد على الناس الذين انتخبوهم، ودخلوا مستقلين ثم صنعوا تكوينات عصبية وجهوية وعنصرية، وذات توجهات إسلامية سياسية متطرفة.


كاتب ليبي

9