ليبيا: الوحش على أبواب طيبة

الخميس 2016/06/23

تشخيصا للحالة الليبية الراهنة، نقول إن هناك استقطابا على مستوى الحراك السياسي والعسكري يتبلور في غرب البلاد، يقابله استقطاب مماثل له ومنفصل عنه يحدث في غربها، ولا حل لأزمة ليبيا ولا خروجا من المأزق الذي تعانيه، ولا فعالية لهذين الحراكين في إدارة البلاد، إلا بلقائهما وتحقيق التوافق بينهما ليكمل أحدهما الآخر، عبر الدخول في صفقة سياسية تعيد للوطن لحمته الواحدة، وتنهي التمزق والتشرذم، وتوقف النزيف الحاصل على كل المستويات، بما في ذلك نزيف الدم الليبي البريء، وتبدأ العد التنازلي لاختتام المرحلة الانتقالية، والشروع في بناء المؤسسات الدائمة للدولة المدنية التي ينشدها الليبيون.

تحقق في غرب البلاد نوع من التوافق تحت المجلس الرئاسي، الذي يمثل إطارا شكليا اختفت تحته ما كنا نراه من نزاعات مناطقية وسياسية وميليشياوية، وصلت في ما مضى، إلى حد الاحتراب بين جماعات مسلحة من الزنتان وأخرى من مصراتة، ودخلت على الخط جماعات مسلحة أخرى أقل شهرة، وتحولت هي أيضا إلى بؤر نزاع وتوتر. كل هذا توارى الآن لنجد بديلا له في الدخول في مصالحات بين المناطق والقبائل وإنهاء لحالات النزاع، وتحقيق توافق انتهى بهذه التجريدة العسكرية التي تأتمر بأمر المجلس الرئاسي، باتجاه الدواعش في سرت، والتي تتآزر فيها جماعات مسلحة شملت حرس المنشآت النفطية.

في مقابل هذه الحالة في غرب البلاد، نجد أن الشرق الليبي يكاد يتوحد بكامله تحت راية ما كان يسمى بالحراك الشرعي، متمثلا في مجلس النواب الذي انتهت ولايته، وحكومته المسماة الحكومة المؤقتة، والمؤسسة العسكرية الرسمية برئاسة الفريق خليفة حفتر، وهناك إجماع في الشرق الليبي على أهمية المؤسسة العسكرية والمحافظة عليها.

التمحور حول مؤسسة المجلس الرئاسي في الغرب، مقابل التمحور حول مجلس النواب والجيش في الشرق، بقدر ما يفتح الباب على احتمال التقسيم إذا تغلبت المشاعر المناطقية وغاب الحس الوطني بوحدة البلاد، فإنه أيضا يمكن أن يفتح الباب على احتمالات التوافق، بشكل أكثر قوة وفعالية من أي وقت مضى، إذا اقترب القادة في كل جزء من البلاد من بعضهم البعض، واعتمدوا الصياغات الجاهزة للتوافق، أسسا للعمل المشترك.

إنه لقاء لا بديل عنه إلا الكارثة، ولا يحتاج غير أن يرتفع الطرفان إلى مستوى المسؤولية، ويضعان الحس الوطني مرشدا لهما، ومصلحة ليبيا فوق كل منفعة شخصية أو مصلحة مناطقية أو عشائرية أو أيديولوجية.

من ناحية أخرى فإن الطرفين يحتاجان إلى هذا اللقاء ليكتمل الوضع الشرعي والقانوني لكل منهما، لأن كلا منهما يظل مفتقرا للشرعية وللصفة القانونية الحقة، في إدارة ما يتولى إدارته الآن، فالمجلس الرئاسي مازالت تنقصه الشرعية التي لا تتحقق من دون مصادقة مجلس النواب على الحكومة التي يعمل بها، واعتماد برنامجه السياسي ومبدأ المساءلة، وانتقال الاختصاصات إليه، التي تقتضي تعديلا في الإعلان الدستوري.

أما مجلس النواب فهو يدرك أنه يعيش مرحلة انتهاء الصلاحية، ونفاد زمن التفويض الممنوح له من الناخبين، وانقضاء المهلة التي منحها لنفسه وهي مدة ستة أشهر بعد انقضاء صلاحيته، بالإضافة إلى أنه فقد الآن الاعتراف الدولي، وقريبا سيفقد الموارد التي يتولى الصرف منها على نفسه وعلى الجيش وعلى الحكومة التابعة له، لأنه لم يعد بإمكانه السيطرة على موارد البلاد، ولا شرعية يمكن أن يحققها، ولا تمديد إلا عبر اعترافه بالوثيقة النهائية لاتفاق الصخيرات، والمصادقة على حكومة الوفاق، وإجراء ما يقتضيه الاتفاق من تعديل في الإعلان الدستوري.

إذن فالاثنان لا وجود شرعيا لهما، خارج الوصول إلى توافق بينهما، توافق تمليه مصلحة البلاد بالدرجة الأولى، وما وصلت إليه أحوال الناس من ترد على المستوى المعيشي والأمني، وتمليه ضرورة العمل الإداري والسياسي التنفيذي والتشريعي لكل منهما، وتمليه ثالثا ضرورة التعامل مع المجتمع الدولي الذي لم يعد يستطيع التعامل مع حالة الانقسام التي تعيشها ليبيا.

ويمليه رابعا استشراء التوحش الداعشي في البلاد، الذي يحتاج معركة تتضافر فيها جهود الليبيين مع ما يمكن أن يصل من عون المجتمع الدولي، لكي تنجو ليبيا من شروره وتطهر ترابها من آخر معاقله وجيوبه.

كاتب ليبي

9