ليبيا بصدد خسارة أفريقيا وجني المزيد من الضغوط الدولية

الأربعاء 2017/11/22

قبل سنوات كان الشعور السائد في أغلب أرجاء أفريقيا هو الامتنان نحو ليبيا، وأيا كان سلوك النظام السياسي الذي قاده لعقود طويلة العقيد الراحل معمر القذافي فإن أغلب دول القارة تحتفظ بنظرتها إلى هذا البلد كرأس حربة مناهضة للسجل الاستعماري الأوروبي، حتى وإن كان جانب من ذلك قائما على التوظيف والدعاية السياسية.

لكن اليوم يخاطر الساسة الليبيون ومن والاهم من الميليشيات المسلحة والمتناحرة في ما بينها، بخسارة ما تبقى من ذاك التعاطف الأفريقي مع بلد مزقته الأطماع في الداخل والخارج فتحول تدريجيا إلى مرتع للفوضى وموضع استقطاب دولي للجريمة المنظمة.

وربما أكثر المفارقات الصادمة في ذلك هو أن تتحول ليبيا، حاضنة الأفارقة قديما، إلى أرض لبيع الرقاب والاتجار في المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، على طريقة النخاسين القدامي أيام التجارة المثلثة عبر المحيط الأطلسي.

تشكل الصدمة المتداولة عبر وسائل الإعلام الدولية أكثر من مجرد طعنة في الظهر لأفريقيا، إذ أنها تنكأ جراحا قديمة ساد الاعتقاد بأنها قبرت مع القرون المظلمة ومع قوارب النهب وتجارة العبيد الأوروبية التي ازدهرت في ما مضى على سواحل غرب القارة.

ليبيا اليوم، وبحكم الأمر الواقع، تعيد تعريف نفسها كأرض بديلة لتجارة العبيد وأنشطة النخاسة المهينة، وكل ممارسات العبودية القروسطية المستلهمة من مزارع القطن في جنوب الولايات المتحدة ومزارع الاقطاعيين البيض في أميركا اللاتينية.

من المؤسف أن لا يكتفي الفرقاء في ليبيا بضياع فرصة ذهبية لبناء دولة مزدهرة وقوية بطاقاتها الكامنة، ولكنهم حولوا وطنهم عبر صراعاتهم الداخلية، إلى بؤرة مخيفة ومهددة لأمن كافة المنطقة فجنوا بذلك على الشعب الليبي وعلى الأفارقة في نفس الوقت.

وأكثر ما يُخشى الآن هو أن تشكل تلك الصدمة المدوية دلالة على أن البلد يسير بخطى أسرع مما هو متوقع نحو الانهيار الكامل قياسا إلى المسار المتعثر والعسير الذي يقوده الوسيط الأممي غسان سلامة من أجل التوصل الى اتفاق سياسي شامل يعيد إلى ليبيا الاستقرار، ولكنه يبدو أنه اتفاق بعيد المنال حاليا في ظل انتشار السلاح والعصابات مرهوبة الجانب.

إن أعمق من الفشل السياسي ومن عبء الأزمة الاقتصادية التي تطبق على الليبيين، هي وصمة العار التي تلاحق سلوك الميليشيات وعصابات الاتجار في البشر هناك، ما قد يضعف كثيرا من الزخم الدولي لإنقاذ ليبيا من هذا المستنقع الخطير وربما يشرع لخطوات أخرى صارمة قد تأتي من المجتمع الدولي.

كان يفترض أن يستدعي ذلك انتباه الساسة وحكومتي الشرق والغرب في ليبيا من أن الاستمرار في تغييب مؤسسات ذات سلطة شرعية وموحدة على الأرض قد ينبئ بالمزيد من التعقيدات الأمنية ويسمح باتساع نطاق الجرائم ونفوذ العصابات بشكل قد يمثل عبئا مضاعفا أمام الانتقال السياسي ويفرغ أي اتفاق سياسي محتمل لاحقا من معناه، بسبب غياب أي ضمانات حقيقية للالتزام به في ظل ما هو عليه الوضع حاليا.

وحالة الغضب المنتشرة الآن في العالم وخاصة في ربوع أفريقيا، من الكوت ديفوار والنيجر إلى بوركينافاسو وداخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي، تؤشر عن ضغوط جديدة محتملة لتحويل ملف المهاجرين إلى الجنائية الدولية مثلما دعا إلى ذلك محمد يوسوفو رئيس النيجر.

وإذا ما تم التمسك بهذا المطلب أفريقيّا ودوليّا فإن الشركاء الأوروبيين لن يكونوا بمعزل عن الفضيحة كونهم مورطون بعقد اتفاقات وصفقات ضمنية مع ميليشيات محلية لوقف نزيف الهجرة السرية عبر السواحل بأي ثمن.

كان يتعيّن على الأوروبيين السؤال عن مصير الآلاف من الأفارقة المشردين في ليبيا والبعض من القابعين في مراكز الإيواء المزرية، مع تناقص أعداد المهاجرين السريين المنطلقين من السواحل الليبية بنسبة فاقت 70 في المئة مقارنة بحالات الاجتياح التي كانت عليها في 2016.

يجر ذلك إلى أهمية تسليط الضوء على جزء كبير من مسؤولية الأوروبيين في جعل ليبيا أشبه بـ”غونتانامو أفريقيا”، حيث يعمل عدد من القادة الأفارقة على إدراج هذا الملف ضمن جدول أعمال القمة الأفريقية الأوروبية المقبلة. وسيبعث ذلك بلا شك بالكثير من الرمزية كون هذه الملفات وما شباهها من مطالب التعويض عن حقبة الاستعمار الأوروبي للقارة، كانت في الماضي من بين أسطوانات القذافي نفسه التي ظل يرددها على مسامع الأوروبيين في كل قمة.

في الأثناء فإن ما تحتاجه ليبيا ليس مجرد تحقيق عن عودة ممارسات الرق التي تضج بها ضواحي العاصمة ليلا، بل هو وعي حقيقي بدقة المرحلة وخطورة انزلاق البلاد إلى دولة الميليشيات، فالمخاوف الدولية، وأساسا دول الجوار، من اتساع حجم التحديات والمشاكل تذهب إلى إمكانية وصول أزمة ليبيا المعقدة إلى نقطة اللاعودة. عندها يدرك الجميع أن ليبيا لن تكون وحدها الخاسرة في المنطقة.

كاتب تونسي

6