ليبيا بعد خمس سنوات من الثورة: بلد الاستبداد صار أرض الجهاد

انتفضت ليبيا، في 17 فبراير 2011، ضد نظام معمر القذافي، الذي حكم البلاد على امتداد 42 سنة، على أمل بناء ديمقراطية ودولة مؤسسات، لكنها غرقت بدل ذلك في فوضى ووصل بها المطاف إلى أن أصبحت توصف بأنها “أرض جهاد” وأحد أهم معاقل التنظيمات المصنّفة على قائمة الإرهاب التي وجدت الفرصة للتمدّد في ظلّ النزاع المسلح على السلطة وما نتج عنه من فراغ أمني وضعف في مؤسسات الدولة.
الأربعاء 2016/02/17
لعل القادم أفضل

طرابلس- في ساحة الشهداء في وسط طرابلس، يرفرف علم الثورة الليبي بألوانه الحمراء والسوداء والخضراء احتفالا بذكرى انطلاق الثورة في 17 فبراير 2011.

في مدينة سرت الغنية بالنفط على بعد 450 كيلومترا شرقا وحوالي 300 كيلومتر من أوروبا، يعلو علم تنظيم الدولة الإسلامية الأسود الأبنية وينتشر في الشوارع.

ويقول المحلل لودوفيكو كارلينو، من مركز آي إتش أس للتحليل الأمني والاقتصادي، إن “تنظيم الدولة الإسلامية ينظر إلى ليبيا على أنها أفضل بلد لإقامة قاعدة إقليمية لخلافته”.

ويضيف أن “توفّر مقدرات نفطية ضخمة ووجود طرق تهريب منظمة ومربحة نحو دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، والرقابة الضعيفة على الحدود، تجعل من ليبيا محطة جذابة لتنظيم الدولة الإسلامية، كما العراق وسوريا، وربما أكثر حتى من ذلك”.

ويضيف خبراء آخرون في تعقليهم على تداعيات الوضع في ليبيا قائلين إن “تغيير النظام باسم الديمقراطية كان وهما”، لا سيما حين تكشف التقارير الواردة من وكالات الاستخبارات أن الإقليم الجنوبي في ليبيا صار ملاذا للمسلحين الإسلاميين الذين تمّ طردهم من مالي.

"أرض جهاد"

يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية منذ يونيو الماضي على مدينة سرت المطلة على البحر المتوسط في مقابل السواحل الأوروبية والتي تضم ميناء ومطارا وقاعدة عسكرية.

وحوّل التنظيم المتشدّد سرت إلى “أرض جهاد”، بحسب ما يسميها في بياناته، وقاعدة يجند فيها المقاتلين، ويدرب عناصره على شن هجمات في دول أخرى، وينطلق منها للتقدم شرقا نحو المناطق الغنية بالنفط وجنوبا نحو الدول الأفريقية المجاورة.

لكنّ جذور الخطر الجهادي في ليبيا لا تنحصر ببروز تنظيم الدولة الإسلامية، في أوائل العام 2014، في بلد غرق في الفوضى الأمنية، بعدما لم تتمكن السلطات التي ورثت الحكم عن القذافي من نزع سلاح الجماعات التي قاتلت النظام السابق.

من يسيطر على ماذا في ليبيا
القوى المسلحة الرئيسية في ليبيا، البلد الغني بالنفط والغاز في شمال أفريقيا، والذي لا تبعد سواحله عن أوروبا سوى نحو 300 كلم:

* الجيش الوطني الليبي: قوات خاصة أنشأها الفريق أول خليفة حفتر وضباط سابقون من شرق البلاد انشقوا في بداية الانتفاضة على نظام معمر القذافي في2011. وكان سلاح الجو بما يملكه من عدد قليل من مقاتلات ميغ-23 وميغ-21 ووحدات القوات الخاصة بقيادة ونيس بوخماد القوات الرئيسية التي انضمت إلى تحالف حفتر لمكافحة الإرهاب بدعم من الحكومة المعترف بها من المجتمع الدولي.

واضطر الجيش الذي طرد في يوليو الماضي من بنغازي (1000 كلم شرق طرابلس) إلى الانكفاء شرقا باتجاه مدن موالية مثل المرج والبيضاء وطبرق على الحدود المصرية. ومنذ أكتوبر 2014، نجحت قوات حفتر في استعادة جزء كبير من بنغازي، ثاني مدن البلاد، لكنه ما زال يواجه مقاومة جماعات إسلامية. وغربا، يعتمد خليفة حفتر على جماعة الزنتان القوية المناهضة للإسلاميين التي أعلنت انضمامها إليه وعلى قبائل في المنطقة مثل قبائل ورشفانة والرجبان.

* قوات فجر ليبيا: تحالف جماعات مسلحة، بعضها إسلامية، نشأ في يوليو 2014 خلال عملية عسكرية ضد جماعات الزنتان المسلحة التي نجح في طردها من طرابلس.

وتسيطر قوات فجر ليبيا على كل المدن الساحلية تقريبا من مصراتة إلى الحدود التونسية مرورا بالعاصمة وجزء من جبل نفوسة جنوبا حيث انضمت إليها مدن مثل الغريان ونالوت وجادو. وتحظى بوجود في الجنوب مثل سبها.

القوات الأخرى:

* تنظيم الدولة الإسلامية: يسيطر على مدينة سرت الساحلية (450 كلم شرق طرابلس)، مسقط رأس القذافي، منذ يونيو، ويسعى للتمدد نحو المناطق المحيطة بالمدينة. ويتمتع بوجود في بنغازي وفي درنة (شرق)، المعقل التاريخي للجهاديين في ليبيا، إلى جانب جماعات جهادية أخرى. ولهذه الجماعة خلايا في طرابلس تبنّت تفجيرات وهجمات مسلحة عدة.

* مجلس شورى ثوار بنغازي: تحالف لجماعات إسلامية متطرفة تشكّل للتصدي لهجوم قوات حفتر. علاقاته مع قوات فجر ليبيا غير واضحة رغم أن الحكومة، التي تدير العاصمة بمساندة قوات فجر ليبيا ولا يعترف بها المجتمع الدولي، أعلنت تأييدها له. ويضم خصوصا جماعة درع ليبيا وسرايا شهداء 17 فبراير وكتيبة راف الله السحاتي وجماعة أنصار الشريعة.

* أنصار الشريعة: تعتبر الأمم المتحدة هذه المجموعة منظمة إرهابية، ولها فروع في درنة (شرق) وصبراتة (غرب). ويبدو أن عددا من أعضائها انشقوا عنها ليلتحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية.

* قوة بـرقة: تحالف معاد للإسلاميين من قبائل محلية في شرق ليبيا بقيادة إبراهيم الجدران. وتدعو إلى الفيدرالية وتطالب بحكم ذاتي للمنطقة. عطلت قواتها خصوصا المرافئ النفطية في الشرق ومنعت التصدير منها. ولم تعلن هذه القوة بشكل واضح حتى الآن انضمامها إلى الفريق أول حفتر لكنها معادية بشكل واضح لقوات فجر ليبيا”.

ويوضح كارلينو، في تقرير حول صعود الخطر الجهادي في ليبيا، أن هذا البلد الشمال أفريقي يمثل “نقطة استقطاب مهمة بالنسبة إلى الساعين للجهاد، حتى قبل تنظيم الدولة الإسلامية”.

ويتابع أن “الفراغ السياسي والأمني في أعقاب سقوط نظام معمر القذافي إلى جانب وجود كميات كبيرة من الأسلحة، والرقابة غير الفعالة على الحدود، جعلت من ليبيا بلد العبور الرئيسي للمقاتلين في شمال أفريقيا نحو سوريا والعراق”.

كما سمح غياب سلطة مركزية فعّالة لجماعات جهادية بأن تجد موطئ قدم لها في ليبيا منذ خمس سنوات، وعلى رأس هذه الجماعات أنصار الشريعة القريبة من تنظيم القاعدة.

ودفع تصاعد الخطر الجهادي الدول الكبرى إلى التفكير في احتمال التحرك عسكريا في ليبيا، نظرا لموقع البلد الجغرافي الحساس وثروته النفطية الضخمة (أكبر احتياطات النفط في أفريقيا وتبلغ حوالي 48 مليار دولار).

في الوقت ذاته، يضغط الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتشكيل حكومة وفاق وطني توحد السلطتين المتنازعتين على الحكم منذ أكثر من عام ونصف، قبل اتخاذ قرار حول طبيعة التدخل المحتمل في ليبيا.

أخطاء بعد أخطاء

يعترف المجتمع الدولي بالسلطات والبرلمان المستقرّين في طبرق (شرق)، لكن يوجد في طرابلس برلمان مواز، وهو المؤتمر الوطني العام، غير المعترف به ويسيطر عليه تحالف جماعات مسلحة تحت مسمّى فجر ليبيا.

وبسبب الاقتتال بين السلطتين وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق نفطية، انخفضت صادرات النفط إلى أكثر من النصف، وتوقفت المشاريع الاستثمارية، وأغلقت عشرات الفنادق والمطاعم أبوابها، وتراجع مستوى الخدمات وبينها الكهرباء، وتوقفت معظم المؤسسات الحكومية عن تأدية عملها في ظل غياب سلطة مركزية واضحة.

وسيكون على الحكومة الجديدة، في حال تمكّنها من الحكم، مواجهة تحديات أخرى غير الخطر الجهادي، تتمثل في الانهيار الاقتصادي والارتفاع القياسي في الأسعار، فيما تحتل ليبيا مرتبة متقدمة على سلم الدول الأكثر فسادا.

كما أن الخروج من ليبيا والدخول إليها أصبحا أكثر صعوبة من أيّ وقت مضى، بعدما توقفت خطوط الطيران الأجنبية عن الهبوط في المطارات الليبية، فيما تقلع الشركات الليبية بطائراتها نحو عدد محدود من الدول المجاورة.

وتقول كريمة الغويل، التي تعمل موظفة في مصرف في طرابلس، إن “السنوات الخمس الماضية كانت عبارة عن سلسلة من أخطاء بعد أخطاء”، مضيفة “حياتنا اليومية تصبح أكثر صعوبة يوما بعد يوم”.

وقبيل أيام من حلول الذكرى الخامسة لسقوط نظام القذافي، أعلن عن تشكيل حكومة وفاق وطني، لكن هذه الخطوة لم تجلب معها الآمال بعودة الاستقرار إلى البلاد المفككة؛ وقد بدا ذلك واضحا في وجوه الليبيين الذين بدوا عاجزين عن الشعور بالفرح في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية وتفشي الإرهاب وانقسام الأرضية السياسية.

وتقول فلورانس (50 عاما)، وهي فرنسية متزوجة من ليبي “الحياة أصبحت أكثر غلاء، ولم نعد نستطيع أن نسحب أموالا من المصارف”، في إشارة إلى عدم توفر السيولة في المصارف طوال أيام الشهر.

وتتابع “لكن خوفي الأكبر هو أن يصل داعش إلى طرابلس”، وهو خوف مختلف الليبيين وأيضا خوف دول الجوار التي تعاني من تداعيات “الجهاد” والفوضى في ليبيا؛ وتخشى من تمدد تنظيم الدولة الإسلامية مثلما تخشى من تداعيات التدخل العسكري الخارجي الذي تدق طبوله.

7