ليبيا.. بلد آخر لم يفهمه الغرب في المنطقة

الخميس 2016/08/18

عندما ينظر الغرب إلى ليبيا اليوم يشعر بالحيرة المغلفة بسيل من الأسئلة المتتابعة. لماذا يبتعد هذا البلد عن الاستقرار كلما استثمرنا فيه بشكل أكبر؟ ما معنى التحالفات الآنية التي باتت تسيطر على طرابلس ولماذا لا يجتمع الليبيون حول فايز السراج؟

عرف الغرب أخيرا كيف يطرح الأسئلة الصحيحة في ليبيا لكنه لم يصل بعد إلى الإجابات الصحيحة. لم يتحدث الدبلوماسيون في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بلغة يفهمها الليبيون. كانت ليبيا بالنسبة إليهم نموذجا لبلد فاشل في المنطقة التي لا تتوقف فيها الاضطرابات.

تعامل الغرب مع ليبيا على أنها صفحة بيضاء يمكن أن يكتب فيها كل ما يريد، دون إجراء الحسابات اللازمة لقياس القوى على الأرض. كان هذا تكرارا ساذجا لـ”خطة التوافق” التي قادها في تونس، وحاول فرضها في مصر. كانت النتيجة فشلا متوقعا لخلطة جاهزة لا تبدو ليبيا مستعدة لهضمها.

لم تنجح حكومة الوفاق لأنها لم تفهم أن وظيفتها كانت العودة إلى طرابلس من أجل تحقيق الوفاق. لا يتحقق الوفاق عادة في ظل هيمنة فصيل واستبعاد آخر. سمح الغرب للإسلاميين والإخوان باستعمال السراج كأداة مؤقتة قد تمكنهم من استكمال حربهم الكبرى ضد الفريق خليفة حفتر. ليست الحرب على داعش التي تخوضها الحكومة حاليا سوى جسر صغير نحو الهدف الأكبر.

في الدول المستقرة لا أحد يستطيع أن يلوم حكومة تحاول بسط سيطرتها على كامل البلاد. هذا أمر مفروغ منه. لكن في ليبيا هناك برلمان منتخب يحظى بشرعية داخلية في الشرق، وحكومة تحظى بشرعية دولية في الغرب، وكلا الجهتين تملك قوات تريد أن تفتك بالأخرى. وسط هذا الصراع يكاد السراج يتوه بين التفاصيل. صار الرجل في مأزق لأنه لا يحظى بشعبية تذكر، بينما يحاول مجاراة جميع الأطراف التي يتصور كل منها أنه يستطيع استخدامه.

قوات مصراتة تريد توجيه الشرعية الجديدة للانتقام من حفتر، والغرب ينتظر منه تسديد ثمن وضعه على رأس الحكومة عبر القضاء على داعش في سرت، وكل دولة من دول الجوار تريد تنفيذ أجندة منفصلة تحقق مصالحها.. لكن ماذا يريد السراج؟

لا أحد يعرف سوى أن ليبيا صارت مثل سيارة بلا سائق تسير بعجلاتها المثقوبة نحو بحيرة عميقة، بينما يحاول كل راكب منع الآخر من الوصول إلى عجلة القيادة أولا.

الخاسر هو البلد الذي يتراجع إنتاجه من النفط بمستويات قياسية، وتهبط عملته بشكل حاد، ولم يعد الناس فيه رقما مهما في معادلة الصراع. والمحصلة هي أن ليبيا بلد جديد أضيف إلى كل البلدان التي لم يفهمها الغرب في منطقة الشرق الأوسط.. كيف؟

لا يمكن تصور أن طرابلس هي المدينة المؤهلة لتحقيق التوافق، لأن الغرب لم يكن يسعى حقا لفرض أي توافق. ما حدث في ليبيا هو استعادة لسلوك غربي كان يعكس عقيدة المستعمر. في الماضي إذا أردت أن تحصل من المستعمر على خيارات متعددة كي تختار أحدها، كان يضع ورقتين على الطاولة ويطلق النار على الورقة التي لا تعجبه، وقتها تتبين أنه ليس أمامك إلا خيار واحد. حدث ذلك مع حفتر ومن ثم النصف الشرقي من البلد بأكمله. لم تكن أوروبا التي أصابها الهلع من تدفق اللاجئين السوريين من تركيا مستعدة لإظهار المزيد من الصبر على الليبيين حتى يتمكنوا من تحقيق توافق حقيقي. كان الغرب متعجلا لضرب داعش في سرت، واستخدم أول أداة متاحة أمامه.

العقلية الغربية في تحرير المدينة تشبه اقتطاع شخص جائع لحافة كعكة مازالت في الفرن، وترك باقي الكعكة يحترق فقط لأنه حصل للتو على ما يريد. رائحة الحريق صارت لا تحتمل. إرهاصاته أيضا لم تعد بعيدة إلى درجة أن المبعوث الأممي مارتن كوبلر صار قادرا على رؤيتها بوضوح.

قال كوبلر يوم الجمعة الماضي إن “دعم حكومة الوفاق الليبية يتهاوى وسط تزايد انقطاع التيار الكهربائي وضعف العملة الذي يؤثر على الواردات الحيوية”.

تحتاج حكومة الوفاق لاستعادة ولو جزء ضئيل من شعبيتها إلى موانئ النفط التي ربما لا تبقى تحت سيطرتها لوقت طويل، بعدما أعلن الجيش الوطني في الشرق أنه يسعى للسيطرة عليها قريبا. إذا حدث ذلك فلن يكون أحد في ليبيا قادرا على منع الإسلاميين من إشعال حرب أهلية تنهي ما تبقى من البلد. في النهاية لن يتسبب تحرير سرت في شيء سوى أن تتحول كل الأطراف إلى خصوم لحكومة الوفاق؛ الغرب والإسلاميون وحفتر والشعب الليبي.

لم يعد مستبعدا أن تعود ليبيا إلى المربع الأول، إن لم تتسع رقعة الحرب، لأن الإسلاميين مازالوا يصرون على الانتقام من حفتر، ولأن الغرب عاد لتعجله ولم يفهم بشكل جيد بلدا آخر في الشرق الأوسط!

صحافي مصري

9