ليبيا: بوكا الميت وبوكا الحي

الخميس 2015/11/26

عرفه الشعب الليبي مقاتلا في صفوف الثوار، وانبهر بأدائه وتصريحاته، في الأشهر الثمانية الأولى من الحرب الشعبية التي خاضها الشعب الليبي ضد نظام معمر القذافي وكتائبه، لحظة أن هب في مظاهرات سلمية يطالب بإسقاط النظام، أسوة بما حدث في تونس ومصر.

كان بين الذين لبوا النداء شاب في مقتبل العمر اسمه بوكا، يعمل في حفرة معدة لتغيير زيوت السيارات، بإحدى الورش، وتسمى هذه الحفرة باللهجة الشعبية الليبية “بوكا”، التي صارت اسما لهذا الشاب، ونسوا اسمه الذي ولد به محمد العريبي، بسبب وجوده طوال مدة العمل في هذه الحفرة، والتحق هذا الشاب بجبهات القتال وتلقى تدريبا وتأهل ليحمل السلاح ويخوض المعركة، وظهر في الإعلام، ففاز بشعبية كبيرة باعتباره نبتة من نبتات الأرض الليبية، تصرف بتلقائية وعفوية، وانخرط في هذه الحرب ضد الطاغية بسبب إحساسه بالظلم والحرمان، كما كان يحس به أي مواطن بسيط، دون تلوينات سياسية ولا استجابة لهوى أيديولوجي، لأنه رجل بسيط لم ينل تعليما ولا قدرة له على تكوين وعي خارج الشعور الفطري، الذي كان كافيا لأن يدفع به كي يذهب مع الذاهبين إلى المعركة، مستعدا للتضحية بحياته في أرض المعركة ضد النظام، الذي رأى فيه تجسيدا لما كان يعانيه من ظلم وعوز وحرمان، وفعلا سقط رفاق له شهداء في ميدان المعركة ضد الطغيان وكتبت له النجاة، ليصبح أحد رموز الثورة، وأحد المعبرين عن مدى عمق تواصلها مع الطبقات المسحوقة في المجتمع.

ما حدث بعد ذلك صنع مأساة لبوكا ومأساة لوطنه ليبيا، إذ أنه بدلا من أن يعود إلى ورشته، كما كان قبل المعركة، مواطنا محبوبا، محاطا بالتقدير والتوقير لدوره البارز في المعركة، مستقطبا الزبائن لورشته بسبب السمعة التي نالها، مستفيدا من مردود هذه السمعة، مالا حلالا زلالا، عمل العكس من ذلك، استجاب لنداء لوردات الحرب ورؤساء الميليشيات، ليستمر في العمل ثائرا يحمل السلاح، ولكنه هذه المرة لا يثور لصالح الوطن ويعمل لتحريره، بل يستمر ثائرا لصالح الدور الجديد كعضو في ميليشيات التسلط والنهب والجريمة، واغتصاب الحكم من الحراك الشرعي، وفرض واقع جديد غير واقع الانتخابات وحصاد صندوق الاقتراع، واقع الحكم بقوة الميليشيات والسلاح، وأصبح بوكا واحدا من القادة المساعدين لأحد لوردات الحرب، يقود إحدى الميليشيات المنتسبة إلى التطرف الإسلامي، وصدق فعلا أنه قد صار حاكما إلى حد أنه قاد إحدى ميليشياته لمحاصرة المؤتمر الوطني العام في طرابلس، قادما من بنغازي، ولعله استطاع في إحدى المرات الاستيلاء على منطقة تضم فرعا لواحد من البنوك، استولى على أمواله، وصار بوكا الخارج من حفرة الزيوت الفاسدة في ورشة السيارات، يتبوأ مركزا في هرم السلطة الميليشياوية، كما صار صاحب عدد من ملايين الدولارات، إلا أن شظية دخلت رأسه في إحدى المواجهات، فأودت بحياته.

مات بوكا تاركا الملايين التي سطا عليها، والمكانة التي تبوأها بقوة السلاح في التراتبية الميليشياوية المتسلطة على المشهد الليبي، وأقام له الإسلام السياسي جنازة وأسموا باسمه شارعا في طرابلس، ولكن “بوكات” مثله مازالوا يواصلون التحكم في مسار الحياة السياسية الليبية الراهنة، ومازالوا يصنعون التأزم ويكرسون الواقع المأساوي، ويعيثون فسادا في البلاد سطوا وخطفا وقتلا، وهم بالتأكيد وراء اغتيال كل مبادرة للسلام وكل إحباط للمحاولات الإقليمية والعربية والمحلية التي تسعى لتأمين حد أدنى من الاستقرار، وربما كان أبشع وأقبح ما صنعوه هو الحالة التي أشاعوها في البلاد إلى حد أننا رأينا أن أهل السياسة أنفسهم، الذين تم اختيارهم عبر صناديق الاقتراع، سواء في المؤتمر الوطني العام الماضي، أو في بعض المجالس البلدية المنتخبة، أو في لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور، وأيضا في مجلس النواب الجديد المتقادم، الذي أعطى لنفسه رخصة حياة جديدة بعد انتهاء ولايته اقتداء بسلفه المؤتمر الوطني، يدخلون في مباريات ومنافسات مع هؤلاء الميليشياويين، تربحا وتسلطا ونهبا للمال العام، وإفسادا للحياة السياسية وتعطيلا للمسار السلمي الذي يتيح الاستقرار ويمهد الطريق لبناء المؤسسات الدستورية الثابتة والدائمة.

نعم لقد مات بوكا الذي أُعجب به الليبيون واختطفته غيلان التوحش والاستغلال والحرب الدامية ضد الشعب، ومات نموذج بوكا الثائر المحارب من أجل الوطن والكرامة الإنسانية. وبقي بوكا الآخر، بقي حيا، يتناسل في الآخرين، وينتشر فوق الأرض الليبية، ويسيطر على مشرقها ومغربها وشمالها وجنوبها، ويلوث بدخان أسلحته أجواء البلاد.

فاحذروا أيها الليبيون، لكي لا تصابوا جميعا بمرض اسمه بوكا، ولكي لا يدخل في دمائكم فيروس اسمه بوكا، وتذهب بلادكم ضحية مرض خطير يسرى سريان الأمراض المعدية اسمه بوكا.

كاتب ليبي

9