ليبيا: بين رؤية دولة عصرية أو ثورة معلبات دينية

الثلاثاء 2014/02/25

بعد ثلاث سنوات من الثورة على القذافي، يحتفل الليبيون بالثورة على إيقاع عنف يومي أصبح جزءا من تفاصيل حياتهم، بينما المشهد السياسي في خلفية الصورة يعكس حدة التجاذبات بين التيارات والأحزاب وحجم التناقضات في السلطة المتشظية بين تيارات المؤتمر الوطني العام، الذي يشكل الهيئة السياسية الأعلى في البلاد، وتتنازع أعضاءه خندقات سياسية على رأسها المعسكران المتخاصمان: حزب العدالة والبناء، وهو الذراع السياسية للإخوان المسلمين (رغم طرافة نفي الحزب والإخوان ارتباط أي منهما بالآخر)، وتيار التحالف الوطني الداعي لفكرة الدولة الديمقراطية التعددية بقيادة عرابه ورئيس أول حكومة بعد الثورة محمود جبريل.

وفي سياق فوضى متراكمة ولا تزال قيد التراكم، تبقى ليبيا رهن سيناريو من أدب العبث واللامعقول، بحيث يصبح صوت العقلانيين “الواقعيين” كمحمود جبريل صوتا مهما يقاوم كواتم الصوت بكل أشكالها المجازية. محمود جبريل لم يخف امتعاضه من المسار السياسي الليبي الراهن، وقد أعلن في تصريحات له قبل أيام، انتقاده الطريقة التي أجريت بها انتخابات هيئة الدستور في بلاده، معتبرا أن الشعب الليبي ليس جاهزا لهذه الانتخابات، معددا الأسباب التي تجعل الانتخابات في ليبيا قاصرة وفاقدة للأهلية السياسية اللازمة لنجاحها.

جبريل الذي أشار إلى تغييب العنصر الأمازيغي من تركيبة الدستور أكد ضرورة وجود مصالحة وجيش وشرطة قبل إجراء هذه الانتخابات. تصريحات جبريل الأخيرة تعكس وجود تيار معارض للمشهد السائد الذي بنت أركانه تيارات مثل الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية المتحالفة معها، وقد ساهم قانون العزل الذي تم إقراره قبل عام في سيطرة لون واحد على الساحة.

محمود جبريل، الذي يعتبر أول رئيس وزراء لليبيا بعد انطلاق الثورة (وأثناءها)، كان أول المتضررين من قانون العزل الذي يرى مراقبون أن الغاية من إقراره كانت التخلص من السياسيين غير الموالين لقطر، التي ساهمت بتمويل أجنحة ثورية عديدة أثناء الكفاح المسلح للتخلص من القذافي.

جبريل كان ضيفا من ضيوف مهرجان الجنادرية في المملكة العربية السعودية، وفي محاضرة له على هامش المهرجان، عرض فكرة المشاركة والحوار على خصومه السياسيين، بل ودافع عن حقهم في التواجد كأطراف سياسية فاعلة بشرط قبول الآخر، معتبرا “أن القوى الوطنية الديمقراطية في دول ما سمي الربيع العربي ترتكب خطأ تاريخيا إذا جعلت قضيتها الرئيسية التصدي لتيارات الإسلام السياسي، متناسية أن القضية الكبرى هي تطوير مشروع نهضوي يعطي لهذه الثورات الشبابية معنى ومضمونا ويرسم لها مسارا وأهدافا..”.

داخليا، يبدو أن الإشارات التي يرسلها محمود جبريل تلقى توافقا لدى قطاع كبير من النخب السياسية والاجتماعية في ليبيا، ويرى مراقبون أن حزب العدالة والبناء نفسه بدأ يعطي إشارات مقابلة لتيار التحالف الذي يقوده محمود جبريل، لكن فرقا يكمن بين برقيات جبريل السياسية ذات أهداف المصالحة الوطنية الشاملة، وبرقيات الرد من خصومه في حزب العدالة وبعض أعضاء المؤتمر الوطني العام الراغبين بشدة في الوصول إلى تسويات لحظية تسمح لهم بتمرير حجب الثقة عن حكومة علي زيدان المؤقتة، ويرون في التحالف المرحلي مع تيار جبريل ثغرة للنفاذ إلى ترحيل الحكومة، وهي غاية لا يرفضها جبريل نفسه ولا تحالفه في المؤتمر، لكن بشرط تحديد شخص رئيس الوزراء القادم على أسس توافقية تجنب ليبيا السيناريو العبثي ذاته في استنساخ مشوه للمشهد الراهن.

أما علي زيدان الذي خسر بمغامراته السياسية تأييد محمود جبريل فقد بات اليوم يقف على حافة المشهد وحكومته لا تزال تعيش على وقود التناقضات في المؤتمر، وتصر على المضي قدما رغم كل ما لحق بها من ضربات سياسية أقلها قد يسقط جملة من الحكومات في دول أخرى، لكن في ليبيا، فإن الحكومة حتى لو توالت استقالات وزرائها، فإنها قادرة على المضي في مطلق الفراغ، وهذا يحدث في ليبيا فقط.

إن المعركة في ليبيا لا تزال مستمرة للخروج بصيغة نهائية لدولة ما، في أفق ضبابي الرؤية فيه معدومة، ولا تزال لعبة التمويل الإعلامي من الخارج توفر المناخ الخصب لزيادة الخلاف بين أطراف المشهد الليبي، ولعل ما يتعرض له جبريل من هجمة إعلامية شرسة تحاول توريطه في الأزمة الأمنية التي تعاني منها ليبيا مثال على استمرارية النهج لدى البعض في التدخل ومحاولة استثمار الأموال التي تم توظيفها في بدايات الثورة لممصالح سياسية تجعل من ليبيا رأس حربة على الجوار الإقليمي، وخصوصا الجارة الكبرى مصر.

«يحدث في ليبيا فقط» عبارة تحمل في سخريتها وجع الواقع الليبي كله، لكن العبارة تحمل بذور فنائها لو اختار الليبيون استقلالية القرار الوطني البعيد عن الأيديولوجيات المعلبة.


كاتب أردني مقيم في بروكسل

9