ليبيا تخوض معركتها ضد التحالف القطري- الإخواني

الثلاثاء 2014/05/20

جاءت حركة اللواء خليفة حفتر لتكشف تناقضات عدة في الساحة الليبية من أبرزها أن الحكومة الليبية الخاضعة للمؤتمر الوطني العام الواقع تحت سيطرة الإخوان، ترتبط بـ”علاقات ودية” مع التيارات الدينية المتشددة وتدافع عنها في ظل خلطة فريدة لا يمكن أن توجد إلا في ليبيا التي قال هيرودوت (484 ق م- 425 ق م) أن «منها يأتي الجديد»، حيث يخضع الحكم المركزي في طرابلس إلى تحالف الإخوان مع قيادات الجماعة المقاتلة المرتبطة سابقا بتنظيم القاعدة، والتي كان لها دور في حرب أفغانستان، مثل النائب الحالي بالمؤتمر الوطني العام عبد الوهاب القايد (شقيق أبو يحي الليبي الرجل الثاني في تنظيم القاعدة قبل أن تتم تصفيته عام 2012 من طائرة بدون طيار بباكستان) ووكيل وزارة الدفاع (وزير الدفاع الفعلي) خالد الشريف، وزعيم حزب الوطن عبد الحكيم بالحاج، وآمر غرفة ثوار ليبيا شعبان هدية (أبوعبيدة الزاوي) وغيرهم ممن يجتمعون تحت المظلّة القطرية الإخوانية المرتبطة بالمشروع الأميركي في المنطقة.

ليس غريبا أن هؤلاء تحالفوا فعليا مع قوى أخرى في الساحة الليبية وقادة ميليشيات، منهم من كان متخصصا في التهريب أو تجارة المخدرات، ومنهم من تم طرده من الجيش الليبي السابق قبل أن يصبح أمير حرب وقائد ميليشيا بعد الإطاحة بنظام القذافي. يضاف إلى ذلك الخطاب الديني الرسمي من قبل دار الفتوى والمفتي الإخواني الصادق الغرياني.

قد يبدو الخليط هجينا ولكنه الواقع الذي فرضه الفراغ السياسي وانهيار الدولة، فالمصالح سواء كانت عقائدية أو سياسية أو مالية أو اقتصادية واجتماعية، جعلت خرّيجي كتائب القاعدة في قندهار وتورابورا وبيشاور ووزيرستان، يتحالفون مع تجار الحشيش والعملة ومهربي المخدرات والسجائر والويسكي، في مشهد لا يختلف كثيرا عما يدور في أفغانستان أو الصومال أو الصحراء الكبرى من التحام قوى التهريب والإرهاب في بوتقة واحدة هدفها السيطرة على المكان، والحيلولة دون بسط الدولة سلطاتها من خلال جيش وأمن قويين.

ويساعد هذا الوضع على أن يمارس الحكام المفروضون عنوة، وأغلبهم من المستوردين وذوي الجنسيات المزدوجة، كل أشكال الفساد المالي والإداري، يتضّح ذلك من جرد حساب المجلس الوطني الانتقالي وحكومات عبدالرحيم الكيب وعلي زيدان وعبدالله الثني، والمؤتمر الوطني زمن محمد يوسف المقريف ثم نوري بوسهمين، حيث ذهبت ما يقارب 300 مليار دولار هباء منثورا، وبات المصرف المركزي خاضعا لحكم الميليشيات ومن وراءها من الساسة، وكشفت الأيام عن ثروات طائلة أضحت في حسابات مسلحين كانوا يعيشون على الكفاف قبل 17 فبراير 2011.

الشارع الليبي الذي يتابع غرائبية المشهد يرى أن وراء الأكمة قطر، التي استطاعت أن تقود الإطاحة بصديقها السابق القذافي، وأن تضع يدها على مفاصل القرار المركزي الليبي من خلال دعم الميليشيات والتوفيق بين الإخوان والقاعدة بواسطة الجماعة المقاتلة وقائدها عبد الحكيم بالحاج، رجل الدوحة الأول في طرابلس، وأن تسيطر على الخطاب الديني من خلال عضوية مفتي البلاد الصادق الغرياني للاتحاد الدولي لعلماء المسلمين الذي يرأسه القرضاوي.

ويتفق هذا الوضع مع ما رواه محمود جبريل، من أن قطر كانت قد أعلنت رفضها لتشكيل جبش وطني ليبي، واستظهرت بوثيقة أميركية تدعو للاكتفاء بتشكيل حرس وطني لحماية الحدود، ذات الأمر رواه عبد الرحمان شلغم، عندما قال أن أمير قطر السابق عارض فكرة تشكيل جيش ليبي، بدعوى أن الجيش قد ينقلب على الديمقراطية، وأن الميليشيات قد تضمن الاستقرار.

ولكن من يقود الميليشيات؟ الجواب ليس صعبا، فالميليشيات تخضع لأوامر قيادات متشددة دينيا، وأخرى مطعون في ماضيها، ولكنها تجتمع تحت لواء المشروع الإخواني القطري، وكذلك للمشروع الإخواني التركي القطري وخصوصا في مدينة مصراتة ذات المكانة الخاصة عند العثمانيين الجدد.

وتتخذ المسألة أبعادا أخرى عندما يتحول الصراع في ليبيا إلى حرب العقلية الميلشياوية الحضرية الساحلية تحديدا على القبائل البدوية الليبية، ذات المرجعية الاجتماعية المختلفة، فالقبائل البدوية والعربية الليبية قد تختلف تكتيكيا ولكنها تبقى على تحالفاتها وتوازناتها الاستراتيجية، نرى ذلك من خلال موقف قبيلة الزنتان التي كان لها دور مهم في الإطاحة بنظام القذافي، ولكنها رفضت تسليم نجله سيف الإسلام إلى سلطات الميليشيات في طرابلس خوفا من تصفيته أو تعذيبه، دافعها إلى ذلك القرار معرفتها بموقف القبائل الكبرى التي لا تزال موالية للنظام السابق، واحترامها لروابط تحالفاتها التاريخية مع قبائل عدة منها قبيلة القذاذفة، وهي تحالفات قد تحتاج إليها في أية مرحلة قادمة، وهي القبيلة المستهدفة بكل المقاييس.

والزنتان التي تمتلك لوائي القعقاع والصواعق بما يمثلانه من حضور مهم في طرابلس، استطاعت أن تحول دون تغلغل أكبر للإخوان والقطريين في العاصمة، وما إن أعلن اللواء خليفة حفتر من بنغازي عن معركة الكرامة حتى كان الرد سريعا من قوات القعقاع والصواعق، وكان البيان الذي ألقاه العقيد مختار فرنانة الزنتاني مساء الأحد إعلانا حاسما عن دخول ليبيا مرحلة جديدة: إما إنهاء سريع لمرحلة “الاحتلال القطري” و”استقواء الإخوان بالتكفيريين والميليشيات” أو بداية حرب أهلية قد تتواصل طويلا. ولكن أي طريق لانتصار الجيش الليبي بقيادة حفتر ودعم الزنتان؟

الانتصار في المواجهة يحتاج إلى موقف موحّد من قبائل وسط وغرب ليبيا، فلا أحد في ليبيا يستطيع تحقيق الانتصار دون بني وليد وترهونة وورشفانة والصيعان والنوايل والرياينة والمشاشية والأصابعة وغيرها، كما أن لا أحد يستطيع وضع اليد على الجنوب دون المقارحة والقذاذفة وأولاد سليمان والتبو والحساونة والطوارق، وهذا يحتاج إلى تجاوز الخلافات القبلية الطارئة وتقديم مصلحة ليبيا، فالمعركة اليوم ليست بين ثوار وأزلام، ولكنها بين الشعب الليبي وأعدائه الداخليين والخارجيين من عملاء قطر والتكفيريين الساعين إلى تحويل البلاد إلى صومال جديدة أو أفغانستان أخرى.

هذا المبدأ أدركته الزنتان عندما دعا بيان ضباطها إلى المصالحة الوطنية وعودة المهجرين، ويؤمن به اللواء خليفة حفتر وقواته، ولكن ترفضه الميليشيات والإخوان وقطر والقاعدة. الميليشيات تجد مصالحها في مزيد الانقسام المجتمعي وفشل الدولة وعجزها عن تشكيل جيش وشرطة.

الإخوان يجدون مصلحتهم في إبقاء ثلث الشعب مهجرّا، وثلاثة أرباع البقية مقصيا من العملية السياسية، ليتموا وضع اليد على كل مفاصل الدولة المتهالكة وثرواتها. قطر تجد صالحها في سلطة ميليشيات خاضعة لحكم إخواني ينفذ أجندتها كاملة. والقاعدة تعمل على الإطاحة نهائيا بالدولة والحيلولة دون قيام مؤسساتها العسكرية والأمنية بهدف تشكيل مشروعها البديل على غرار ما يجري حاليا في مدينة درنة.

ثم أن المليشيات والإخوان وقطر والقاعدة، ترى أن بقاء القبائل الكبرى على الحياد يخدم مصلحتها، نظرا لأن ثلاث قبائل فقط وهي ورفلة وترهونة وورشفانة تساوي ثلثي الشعب، وهي قبائل محسوبة في غالبيتها الساحقة على الولاء للنظام السابق، وترفض بقوة العملية السياسية القائمة، وتعادي الإخوان والتكفيريين، وتمتلك مقومات تغيير الوضع في البلاد متى اجتمعت على هدف واحد مشترك، فإن تحالفت مع الزنتان وقوات خليفة حفتر وقبائل الشرق، استطاعت أن تطيح نهائيا، ولو بعد حين، بالمشروع القطري الإخواني التكفيري الذي يبدو منعزلا في ليبيا، ولا يستقوى إلا بالخلاف الحاصل بين الموالين لنظام القذافي، وبين من قادوا حرب الإطاحة به وباتوا اليوم من المدافعين عن استقلالية القرار الوطني الليبي وإعادة هيبة الدولة.

حسب المعطيات الأولى فإن الخلاف لن يستمر، والمصلحة الوطنية العليا ستنتصر، خصوصا مع ضرورة اجتماع الطرفين على تحقيق المصالحة الوطنية، وعودة المهجّرين والنازحين، وإطلاق سراح معتقلي السجون السرية، وإرساء العدالة الانتقالية، وإلغاء قانون العزل السياسي الذي تم فرضه تحت قوة سلاح الميليشيات، وحل العصابات المسلحة، وتطهير البلاد من الإرهاب، وإنقاذ مؤسسات الدولة من المد الإخواني والتدخل القطري، وبناء جيش وأمن قويين، ومحاسبة الفاسدين، وإعادة الاعتبار للضحايا.

قال هيرودوت قبل 2500 عام : من ليبيا يأتي الجديد، وقد يكون الجديد هذه المرّة، موقف يليق بأحرار ليبيا وشرفائها وتاريخها ومكانتها.


كاتب صحفي تونسي

9