ليبيا تسعى لبناء أحد أكبر موانئ شمال أفريقيا

مجموعة غيدري الأميركية تؤكد اقترابها من الفوز بالصفقة، وترجيح انطلاق البناء في أكتوبر المقبل باستثمار 1.5 مليار دولار.
السبت 2019/02/16
طموحات مشروعة لكنها غير واقعية

أعلنت السلطات الليبية في المنطقة الشرقية عن تفاصيل بناء ما تقول إنه أكبر موانئ شمال أفريقيا، في أول استثمار أجنبي كبير، في ظل آمال بفتح أبواب تعزيز المبادلات التجارية، وذلك بعد تأجيل لسنوات بسبب الانقسامات السياسية والنزاع العسكري بين الشرق والغرب.

سوسة (ليبيا) - كشف مسؤولون ليبيون أمس عن احزاز تقدم كبير في محادثات مع شركة أميركية لبناء أكبر ميناء في شمال أفريقيا قرب مدينة سوسة في شرق البلاد.

ومثل هذا الاستثمار الأجنبي الكبير البالغ قيمته 1.5 مليار دولار أمر نادر بالبلاد، التي تشهد حالة من الفوضى منذ الإطاحة بمعمر القذافي قبل ثماني سنوات.

ويشكك محللون في جدوى إنشاء ميناء عملاق ينافس حجم ميناء طنجة المتوسط في المغرب وبورسعيد في مصر، في ظل أفضلية الميناءين من حيث الموضع بالنسبة للملاحة العالمية.

وأكدت شركة غيدري غروب للأمن، التي تتخذ من ولاية تكساس مقرا لها، لوكالة رويترز بعد أيام من زيارة وفدها للمنطقة أنها تخطط لتوقيع اتفاق مدته 35 عاما لبناء وتشغيل هذا المشروع الضخم في منطقة احتلها يوما الإغريق، قبل أن تسلمه إلى السلطات المحلية.

وكان وفد من الشركة الأميركية قد زار في الثالث من الشهر الحالي الموقع الذي من المفترض أن يقام عليه الميناء الجديد، كما التقى بالمسؤولين الليبيين الذي سيشرفون عن المشروع.

وبنبرة متحمسة، قال صلاح الحاسي أحد مهندسي المشروع الرئيسيين ورئيس فرع مصلحة الموانئ والنقل البحري بشرق البلاد في فيلته المتواضعة التي تحوّلت إلى مكتب إن “أكبر سفن الحاويات سيكون بمقدورها الرسو”.

2500 فرصة عمل سيوفرها المشروع للشباب الليبي، وفق مستشار في مجموعة شركة غيدري الأميركية

وفي المقابل، قال عبدالله الحاسي، مستشار الشركة الأميركية، إن “عمق البحر الذي يصل إلى حوالي 40 مترا سيتيح للحاويات تحميل السلع والبضائع التي سيتم تصديرها وتويردها على متن سفن أصغر تتجه إلى مدن ليبية أخرى وكذلك دول مجاورة مثل مصر وتونس لا تحوي موانئ مماثلة”.

وتحتاج ليبيا بشكل عاجل إلى وظائف للشبان الذين يتطلعون إمّا إلى الانضمام للقطاع العام المتضخم وإمّا حمل السلاح لكسب قوت يومهم. وتضررت ليبيا جراء القتال بين المجموعات المسلحة والانقسام بين حكومتين.

وبخلاف النفط، لم تحقق ليبيا نجاحا يذكر في النشاط الاقتصادي، ولكن الميناء الجديد قد يساعد في النهوض من تلك الكبوة خاصة وأنه سيوظف حوالي 2500 شخص بشكل مباشر.

ويؤكد مستشار غيدري إن الشركة تريد الفوز باستثمار محلي وأجنبي للمساعدة في التمويل وإنها ترغب في بدء البناء في أكتوبر المقبل.

وتتوقع الشركة المتخصصة عادة بتسوية حالات الخطف وطلب الفدية، أن يأتي التمويل من مصادر متنوعة، بما في ذلك وكالات دولية متعددة الأطراف، ومؤسسات مالية كبرى ومستثمرين في تمويل المشاريع العالمية.

وبخلاف التمويل، هناك تحديات أخرى كبيرة، فليبيا ما زالت بحاجة إلى إصلاح طرقها التي تنتشر فيها الحفر وبناء بنية تحتية للسكك الحديدية.

وعلي سبيل المثال، الطريق من سوسة إلى المدينة التالية الكبيرة وهي البيضاء غير مناسب للشاحنات، حيث أنه يلتف حول منحدرات حادة مع مناظر خلابة لمقابر صخرية رومانية لكن دون سياج. كما يخشى البعض احتمال أن يدمر الميناء مواقع تاريخية قديمة.

وسوسة، بميناء الصيد الخامل بها بجوار أعمدة معبد تاريخي وأيضا بعض المواقع الأثرية التي تغمرها المياه، قريبة من مدينة القيروان الجبلية التي أنشأها الإغريق.

صلاح الحاسي: تشييد ميناء سوسة سيغير العقلية الليبية رغم أن تكلفته مرتفعة
صلاح الحاسي: تشييد ميناء سوسة سيغير العقلية الليبية رغم أن تكلفته مرتفعة

ويقول أحمد حسين يونس رئيس مصلحة الآثار بشرق البلاد إن لديه خوفا حقيقيا من هذا المشروع الذي يُبنى بالقرب من سوسة.

ويخشى يونس من احتمال أن تتعرّض آثار تعود لعصر البطالمة إلى التدمير، إذا أدى الميناء إلى طريق ساحلي جديد يمتد من سوسة إلى بنغازي. وللتغلب على بعض المخاوف، يقول مخططو المشروع إن الميناء سيُشيد على بعد خمسة كيلومترات خارج سوسة.

ويؤكد رئيس لجنة إنشاء ميناء ورئيس فرع مصلحة الموانئ والنقل البحري، أن ميناء سوسة سيكون بمقدوره مناولة بضائع من شرق آسيا وأوروبا وأميركا إلى أفريقيا.

وقال إن “الموانئ المحورية بعد ما تنزل فيها البضائع عن طريق السفن تنتقل إلى موانئ جافة”، في إشارة إلى المساحات الكبيرة في الصحراء الليبية تتداول فيها البضائع القادمة من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال.

ودشن مسؤولون فكرة المشروع في عام 2012 حين بدت ليبيا متأهبة لإجراء انتخابات سلمية. ومنذ ذلك الحين، بدأ الوضع الأمني يتدهور رغم أن شرق البلاد أكثر استقرارا من الغرب.

وتدير حكومتان متنافسان شرق البلاد وغربها، رغم وجود اتفاق على الحاجة لميناء كبير بالنظر إلى الحالة البالية للموانئ القائمة. وسيكون ميناء سوسة أعمق من ميناء مصراتة أكبر موانئ ليبيا في منطقة تجارة حرة في الغرب.

وسيتولى الجيش الوطني الليبي المتمركز في الشرق والذي يقوده القائد العسكري خليفة حفتر توفير الأمن في البداية لتشييد المشروع.

ودافع رئيس لجنة بناء المشروع بشغف عن رؤيته في مواجهة المخاوف من أن الميناء قد يكون مشروعا آخر مرتفع التكلفة دون استخدام من بين الكثير من المشروعات المماثلة حول القارة الأفريقية. وقال لوكالة رويترز إن هذا “الاستثمار سيغير العقلية الليبية”.

ويميل بعض المواطنين إلى المشروع. ونسبت رويترز لسفيان العبيدي وهو صياد وطالب يدرس الصيدلة قوله إنه يأمل في أن يوفر له مشروع الميناء مستقبلا مهنيا لأن الكثير من الشبان في المنطقة لا يملكون وظيفة.

10