ليبيا.. تعاقب المندوبين الأمميين وتعمق الأزمة

الخميس 2016/10/13

هناك مثل شعبي ليبي يتكرر ذكره في الأحاديث السياسية، هو ذلك الذي يقول “امسك في ذيل الكلب، حتى يخرجك من الغريق”، بمعناه الواضح وهو أنه إذا لم يكن هناك سبيل للنجاة من الغرق، إلا عن طريق هذا الذيل، فأنت بالتأكيد لن تتردد في الإمساك به، لأنه لا خيار لك إلا أن تفعل ذلك مهما كنت كارها للكلاب محتقرا لذيولها.

وهو مثل يطفو على السطح كلما كان هناك تشكيك في الوسيلة المستخدمة لحل مشكلة من المشكلات، أو كانت هناك نظرة دونية لمستواها أو قدرتها حقا على تحقيق هذا الحل، فهي غالبا لن تفعل، ولكن لو حصلت المعجزة وجاء الحل عن طريقها فلماذا الاستكبار والعناد، وأهلا بهذا الحل أو هذا الإنقاذ الذي يراه المثل الفصيح قادما ربما عن طريق قشة طافحة. فكيف نستهتر نحن في راهننا الليبي بحل يأتي ليس عن طريق ذيل كلب ولا عن طريق قشة يقذف بها الموج، وإنما عن طريق رجال لهم مكانة دولية.

ولكي لا نسوق الأمثلة جزافا، فنقتبس هذه الأمثلة من الواقع، ولنبدأ بمثل واضح لمثل هذا الشخص الذي سيكون مفتاحا للحل وسبيلا للإنقاذ وله صفة عالمية وربما كونية، لا يقتصر وجوده بهذه الصفة في منطقة من العالم دون غيرها، وإنما موجود دائما في كل المناطق وكل الأزمات، وهو المندوب الأممي الذي ترسل به هيئة الأمم المتحدة أو وكالة من وكالاتها، للتوسط في حل مشكلة ما، وغالبا ما نرى هذا الوسيط أو هذا المندوب، يستقطب كل أنواع السخط من شتى الأطراف التي سيصالح بينها، وينعت بكل أنواع النعوت السلبية الموجودة في القواميس، فهو عاجز وفاشل وخامل الذكر والذهن، في عين طرف من الأطراف، وهو في عين طرف آخر متحيز وصاحب غرض ولا مصداقية له ولا منهجية في عمله ولا إنصاف في أسلوب مقاربته للمشكلة وتناوله للأمور.

أما في عين طرف ثالث فهو خادم لجهة مشبوهة أو عميل لدولة كبرى أو مدسوس على القضية من إحدى الوكالات التي تعمل في الخفاء لتحقيق أجندة سوداء. ولكن كل هذه الأطراف التي تسخط عليه، وترميه بشتى التهم، وتشكك في مداركه وإمكانياته ونواياه، توافق على استخدامه وسيطا، وترضى بأن يأتي الحل على يديه، لأن هذه الأطراف جميعها تبحث عن حل للمشكلة وإنقاذ لبلادها من الغرق، عملا بالمثل الذي ينصح الغريق بأن يتشبث بالقشة أو يمسك بذيل الكلب إذا كان سينجيه من الغرق.

قصة ليبيا مع المندوبين الدوليين قصة قديمة، تبدأ منذ الأعوام السابقة على ميلاد دولة الاستقلال وتحديدا منذ يوم 21 نوفمبر 1949 وهو اليوم الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باستقلال ليبيا وتم تحديد مدة أقصاها الأول من يناير عام 1952 لإنجاز كل العمليات التي تؤدي إلى الاستقلال وتكليف الدبلوماسي الهولندي أدريان بلت، بتولي مهمة إعداد ليبيا للاستقلال رئيسا للمفوضية الأممية وممثلا لأمين عام هيئة الأمم المتحدة، وقبل انتهاء المدة المحددة لإنجاز دولة الاستقلال بأسبوع واحد، كان المندوب الأممي قد أنهى مهمته بنجاح، وتم إعلان المملكة المتحدة الليبية دولة مستقلة، وعضوا في الأمم المتحدة ثم في جامعة الدول العربية في يوم 24 ديسمبر 1951.

في ذلك الوقت الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة وتعيين المندوب الأممي، في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، لم تكن الأمم المتحدة، أمما متحدة بالمعنى الذي أصبحت عليه بعد ذلك، وإنما نواة نادت بها مجموعة الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية عام 1945، وكانت خاضعة لإرادة تلك الدول، وفي مقدمتها الدول الغربية بزعامة أميركا، ولم يكن أدريان بلت ممثلا حقا لإرادة المجتمع الدولي، بقدر ما كان موفدا في مهمة من دول الغرب لتنفيذ إرادتها وتحقيق مصالحها، وصاغ مشروع الدولة الجديدة وفق المواصفات والمطالب التي تريدها تلك المجموعة، ومهد لكل ما جاء بعد ذلك من ارتباطات لها مع الغرب وما حصل من أحلاف سياسية وما تم توطينه في البلاد من قواعد عسكرية، دون طعن في وطنية جيل الاستقلال ورجاله الأفذاذ الميامين، جميعا دون استثناء، الذين كان شاغلهم انتزاع بلادهم من براثن الاستعمار الإيطالي، وخروجها من الحماية الصريحة البريطانية، والإفلات بها من التهديد المرعب الذي كان يتربص بها والذي كان مجسدا في ما سمي “مشروع بيفن سفورزا”، وهو تقسيم ليبيا بين ثلاث دول استعمارية تتقاسمها؛ إيطاليا التي تريد أن تواصل احتلال ليبيا، رغم هزيمتها في الحرب وانضمامها إلى الحلفاء عن طريق بادوليو الذي استلم إدارة البلاد من موسوليني، وبريطانيا التي تريد أن تكون إمارة برقة تحت حمايتها، وفرنسا التي كانت تحتل الجنوب الليبي المتمثل في منطقة فزان.

ثم تدور الأفلاك دورة كبيرة مقدارها ستة عقود، ليأتي مندوب جديد في بداية الأحداث التي شهدتها ليبيا في 17 فبراير عام 2011، اسمه عبدالإله الخطيب، لم يستطع أن يبقى طويلا، واتهمه أهل الثورة بالتحيز للنظام العسكري المنهار، وحاول شباب الثورة الاعتداء عليه في فندقه في تونس، واستبدلته الأمم المتحدة بآخر أميركي لم يدم طويلا، لأن الأحداث تسارعت فأوفدت ما وصل عدده الآن إلى خمسة مندوبين، كان حجم الأزمة يتفاقم ويزداد تعقيدا مع تواتر مجيئهم في سيمترية هندسية متوازية مع مجيء هؤلاء المندوبين.

كاتب ليبي

9