ليبيا تُسقط شرعية الصندوق عن التحالف "الإخواني – الجهادي"

الأربعاء 2014/09/03
الشعب الليبي متمسك بعملية الكرامة بعد أن سحب من التحالف الإخواني الجهادي شرعيته المزعومة

طرابلس - حالة الفوضى التي خلقها تعنّت الميليشيات الإخوانية والجهادية في ليبيا، وما يمكن أن تمثّله من خطر على دول الجوار والأمن الإقليمي ككل، أضحى إنهاؤها اليوم أكثر من أي وقت مضى، مرهونا بصياغة مصالحة حقيقية بين أبناء البلد الواحد والجلوس إلى طاولة الحوار حقنا للدماء، قبل فوات الآوان والالتجاء مجددا إلى تدخل عسكري خارجي (يبدو لازما إذا ما تفاقمت الأمور أكثر) من المؤكّد أنّ انعكاساته السلبية ستكون كثيرة، شأن التدخل الذي سبقه عند الإطاحة بنظام معمر القذافي. موضوع راهن تناولته بالبحث دراسة لهاني نسيرة صادرة عن معهد العربية للدراسات.

إنه الإصرار على البقاء ولو بالدم، شأن كل المستبدين وأيديولوجياتهم التي أنهكت منطقتنا، من الأسد في سوريا، إلى المالكي في العراق الذي اضطر إلى الرحيل في أغسطس الماضي، ومن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي الذي هدد الشعب المصري في آخر خطاب له في 1 يوليو 2013 بالدم، إلى قطع رقبة من لا يبايع “خليفة داعش” ..في نفس الاتجاه يمكن تفسير إصرار جماعة الإخوان الليبية، وتحالفها الجهادي، على عدم الاعتراف بشرعية الصندوق، بعد فشلهم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.


شرعية ليبية جديدة


البرلمان الجديد المنتخب الذي اعترفت به جلّ بلدان العالم، حسب دراسة نسيرة، جاء بعد أن تجلت الإرادة الشعبية الليبية وظهرت نتائجها في 22 يوليو بفوز القوى المدنية وخسارة الإسلاميين لشرعيتهم المزعومة. ويعدّ إصرار هؤلاء على التمسّك بالحكم، سمة بارزة في تاريخهم، له سوابقه منذ أن انتهت ولاية المؤتمر الوطني العام السابق في 7 فبراير سنة 2014، حيث أنهم رفضوا نداءات الحراك الشعبي والتظاهرات التي رفعت شعار” لا للتمديد”، والتي وجدت تأييدا لها من طرف لوائي الصواعق والقعقاع، لمطالبها المشروعة والدستورية حينئذ. غير أنّ الإخوان قاموا باستدعاء رسمي لقوات درع ليبيا الوسطى في شهر مارس ثم في مايو سنة 2014، ثم أعلنوا عن عملية كبرى سميت “فجر ليبيا”، في أوائل يوليو، مصرين على تعطيل أيّ حل أو مخرج سياسي، لتتحول شرعية الصندوق عندهم إلى شرعية القوة والغلبة وديمومة الصراع فقط. صراع اختلط فيه الأيديولوجي( إٍسلامي/ مدني) والقبلي الجهوي ( مصراتة/ الزنتان وورشفانة وغيرهما) فأصبح دائما يصعب فيه الحسم والانتصار، خاصة في ظلّ مجتمع مسلح لن تخيفه خطابات الترهيب والرفض التي يصدرها الإخوان الذين خسروا في الانتخابات.

وفي هذا السياق، يرى هاني نسيرة في دراسته الصادرة عن معهد العربية للدراسات، أنّ الشرعية السياسية الوحيدة الموجودة الآن في ليبيا، متمثلة في مجلس النواب الذي تم الإعلان عن فوزه في الانتخابات التي أعلن عن نتائجها في 22 يوليو سنة 2014، بفوز كبير للقوى الديمقراطية والمدنية التي حصدت 120 مقعدا، بينما منى حزب العدالة والبناء، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، بخسارة فادحة، حيث لم تحصد قائماته غير 23 مقعدا. وقد قام على إثر ذلك مجلس النواب خلفا للمؤتمر الوطني العام الذي انتهت ولايته وشرعيته قبل ما يزيد عن ستة أشهر. وقد عقد هذا البرلمان الجديد أولى جلساته في طبرق في الخامس من أغسطس الماضي، وأكد ثقته في حكومة عبدالله الثني، وانتخب هيئته الرئاسية وعين على رأسها عقيلة صالح، من ثمة أصدر قرارين تاريخيّين لدعم المسار السياسي والدولة الليبية قوبلا برفض متوقع من التحالف الإخواني الجهادي وهما:

120 مقعد ا حصيلة القوى المدنية والديمقراطية في البرلمان الجديد

أوّلا حل جميع التشكيلات المسلحة “المشرعنة” من قبل المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق الذي يسيطر عليه الإخوان) ، وإلغاء جميع ما كلّفت به سابقًا من طرف رئيس المؤتمر. وتكليف اللجنة القانونية لصياغة مقترح قانون إلغاء هذه التشكيلات، تمهيدًا لعرضها في أقرب وقت على مجلس النواب للتصويت عليها.

أمّا ثانيا، فالتصويت على قرار يجيز تدخل الأمم المتحدة من أجل حماية المدنيين والمؤسسات في مواجهة الميليشيات، وهو ما استجابت له المنظمة الدولية عبر تواصلها مع مختلف الأطراف في الـ 13 من أغسطس الحالي، وما زال التواصل مستمرا رغم انهيار الوضع الأمني واستمرار تصاعد الصراع “الميليشياوي” الموالي للإسلاميين ضد الشرعية الجديدة.


أفق المصالحة المسدود


من جهة أخرى، أشار هاني نسيرة في دراسته، إلى أنه بعد القرارين السابقين اللّذان اتخذهما البرلمان الجديد، بدا أفق المصالحة مسدودا أو مستبعدا، مع إصرار الميليشيات الإخوانية على البقاء ورفضها للمسار السياسي الجديد الذي خرجت منه. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ “عمليات الكرامة”، التي تقودها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر منذ مدّة ضد هذه الميليشيات، كانت بمثابة رد فعل على إصرار المؤتمر الوطني العام على التمديد بعد انتهاء مدته، رغم خروج مظاهرات كبيرة منذ يناير الماضي طالبته بعدم التمديد. وبينما لم تقبل كثير من الميليشيات وقف عملياتها أثناء إجراء الانتخابات البرلمانية السابقة، فقد قبل اللواء المتقاعد خليفة حفتر الهدنة ووقف إطلاق النار في الـ 10 من يونيو الماضي، ولكن هذه الهدنة لم تجد لها استجابة تذكر من قبل كثير من الميليشيات الجهادية الإخوانية، وهو ما أعاق إجراء الانتخابات في عدد من الدوائر، وقد تم على إثر ذلك تأجيل التصويت على 12 مقعدا إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية.

وفي هذا السياق، أوضحت الدراسة أن خسارة الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة والتي لاقت ترحيبا دوليا كبيرا باعتبارها تُعدّ مخرجا وحلّا سياسيا للأزمة التي تعيشها ليبيا، جعلتهم يواجهون نتائجها بتحفظ ورفض (إخواني-جهادي) موحد. وقد جعل هذا الإصرار على الرفض والصراع وفقه الغلبة والتغالب، خيار المصالحة بعيدا في ليبيا، خاصة بعد تحول موازين القوى ودخول قبائل كبيرة كـ”ورشفانة” إلى ساحة الصراع نصرة للزنتان وقوات الجيش في مواجهة ميليشيات مصراتة وبنغازي المؤيدة للإسلاميين والرافضة للبرلمان المنتخب.

عبدالله الثني: "ليبيا لا ترفض وجود قوات عربية أو أفريقية أو أممية لإنهاء الأزمة"

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ خيار المصالحة يبدو مستبعدا مع خطاب أنصار الشريعة والتحالف الإخواني الجهادي، وهو ما يشي به بيان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الذي صدر في 21 أغسطس الفارط ، حيث أدان البيان استمرار المعارك في طرابلس وبنغازي، “لا سيما قصف الأحياء السكنية بصفة عشوائية واستهداف المرافق العامة واستخدام الطيران في العمليات العسكرية”. وقد جددت البعثة تحذيرها من مغبة الاقتتال ونتائجه الكارثية على جميع الأصعدة، في الوقت الذي تحتاج فيه ليبيا إلى التوافق من أجل بناء دولة المؤسسات والقانون ومعالجة المشكلات التي تهدد استقرارها ووحدتها الوطنية وسلامة مواطنيها. كما أكدت استمرار جهودها للتوصل إلى وقف لإطلاق النار تمهيدا لاستئناف العملية السياسية، مشدّدة على مسؤولية المؤسسات الشرعية في استكمال المرحلة الانتقالية بـ”روح الوفاق الوطني”.

ويذكر أنّ هذا الوضع، المشار إليه، دفع برئيس الوزراء الليبي عبدالله الثني، إلى التصريح في الـ 7 من أغسطس الماضي، “أنّ الحكومة الليبية لا ترفض وجود قوات عربية أو أفريقية أو أممية لمساعدة الأجهزة الأمنية الليبية في بسط سيطرتها علي الأوضاع في البلاد”، وهو ما أكده مجلس النواب الليبي بإصداره للقرارين المذكورين سلفا.

وفي نفس الوقت، تعالت العديد من الأصوات التي دعت إلى الخروج في مظاهرات مليونية رافضة للممارسات الإرهابية التي تؤتيها جماعة الإخوان المسلمين الليبية رفقة حلفائها، والتي أعلنت كذلك عن دعمها لمجلس النواب الليبي المنتخب شعبياً، وذلك تحت مسمي “حراك لا للإرهاب لا للإخوان”.


تصاعد احتمالات التدخل


يقول هاني نسيرة في دراسته، إنّ ليبيا تحوّلت إلى مصدر خطر يهدد أمن الإقليم كله، وخصوصاً مع توارد الأنباء عن استيلاء جماعات مجهولة، على طائرات مدنية وعسكرية من مطارات ليبيا المختلفة، والتخوف من استعمالها في هجمات إرهابية، كما حدث في أحداث 11 سبتمبر 2001.

الإرادة الشعبية الليبية تجلت نتائجها مع الانتخابات الأخيرة بفوز القوى المدنية وخسارة الإسلاميين لشرعيتهم المزعومة

كذلك احتمالية تحول الشرق الليبي إلى معقل للجماعات الجهادية، خاصّة بعد أن أعلنت جماعة أنصار الشريعة ببنغازي ودرنة في وقت سابق عن تأسيس إمارات إسلامية، هذا بالإضافة طبعا إلى ظاهرة انتشار السلاح في أيدي الميليشيات المتصارعة، وانعدام الرقابة من قبل الدولة الليبية، التي تواجة بدورها صعوبة في فرض سيطرتها الأمنية على الأرض.

ومع تواصل القصف الصاروخي والمدفعي علي العاصمة الليبية طرابلس، ما خلف دماراً واسعاً بالمدينة، أصدرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بياناً في 17 أغسطس تدين فيه التصعيد، وتدعو الى التجاوب مع مساعيها للوصول الى وقف لاطلاق النار، وقد أتى هذا البيان كمؤشر للمساعي الدولية المتواصلة لوقف الاقتتال الأهلي بليبيا، إدراكاً لخطورته على دول شمال أفريقيا وغرب البحر المتوسط ككل. وكان قد سبق لاجتماع خماسي انعقد في تونس بمشاركة كلّ من مصر والجزائر والمغرب والولايات المتحدة الأميركية، وتونس البلد المنظّم، أن صدر بيانا مشتركا، في السادس من أغسطس الماضي، تمّ الإعلان من خلاله عن رفض هذه الدول للعنف الدائر في ليبيا .

من جهة أخرى، فقد أعلنت 9 دول من بين تلك المنضوية تحت ما يعرف بـ “المبادرة الدفاعية والأمنية لغرب البحر الأبيض المتوسط”، عن تنفيذ تمارين قتالية ومناورات مشتركة لمواجهة احتمال استعمال طائرات مدينة أو عسكرية مسروقة من ليبيا في هجمات إرهابية، على غرار أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وتضم المبادرة 10 دول هي ؛ تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا، ليبيا، أسبانيا، فرنسا، إيطاليا، البرتغال ومالطا. وقد تمّ استثناء ليبيا من المشاركة في تلك المناورات.

غارات جوية تستهدف الاسلاميين في ليبيا

ويذكر أنّه في إطار تطور الأحداث، قامت طائرات حربية مجهولة المصدر، بتنفيذ ضربات جوية صباح يوم 18 أغسطس، ضد قوات درع ليبيا الّتي تهاجم طرابلس، وتنفذ عملية “فجر ليبيا” التي أعلن عنها الإخوان، ضد القوات الموالية لمجلس النواب الليبي الجديد، ما أثار الحديث عن بدء التدخل الدولي في ليبيا، ولكن كلاّ من فرنسا وإيطاليا قالتا إنّه لا علاقة لهما بتلك الضربات. وكذلك فقد نفت كلّ من الإمارات العربية المتحدة ومصر علاقتهما بهذه الضربات، بعد أن أعلنت واشنطن عن ضلوعهما في تنفيذها ثمّ تراجعت عن تصريحاتها تلك في وقت لاحق.

هذا وقت أصدرت الحكومة الليبية بياناً في نفس اليوم، تندد فيه بتلك الغارات، مؤكدة عدم قدرتها علي تحديد الطرف المسؤول عن تنفيذها. وحمّل البيان جميع الأطراف المتقاتلة في البلاد مسؤولية الدماء المراقة، وطالبتهم بوقف جميع أعمال العنف المتبادل، والجلوس إلى طاولة الحوار.

في ذات الإطار، أكدت رئاسة أركان القوات الجوية الليبية، في بيان أصدرته، أن تلك الضربات الجوية كانت من تنفيذ طيران أجنبي، وأنه لا يمكن أن ينفذها طيران محلي.

ورغم النفي الذي صدر عن كلّ من فرنسا وإيطاليا، إلاّ أنّ تلك الغارات تشير، حسب مراقبين، إلى بداية عمليات عسكرية للتدخل في ليبيا، كالتي نفذها حلف الناتو ضدّ القذافي عام 2011، ولكنّ تأخر إعلان المسؤولية عنها يثير الكثير من علامات الاستفهام، فمن المؤكد أن هناك أطرافا كثيرة لديها مصلحة لتوجية تلك الضربات، لوقف انحدار الدولة الليبية إلى الفوضي الشاملة، وخصوصاً في ظل مطالبات البرلمان والحكومة في ليبيا بالتدخل الدولي، ولكن على ما يبدو فإنّ تأخر اتّخاذ موقف دولي حاسم قد دفع بتنفيذ تلك الضربات الاستباقية المحدودة، والتي قد تكون ضرورية، وقد يؤدي تأخيرها إلى حدوث كارثة لا يمكن تلافيها بعد فوات الآوان.

خلاصة القول، يشير هاني نسيرة في دراسته الصادرة عن معهد العربية للدراسات، إلى أنّ غياب أفق للمصالحة واستمرار التعنت الإخواني الجهادي المتحالف على وأد الحل السياسي، وتـأييد الصراع الجهادي والجهوي في ليبيا، الذي تتداعى آثاره الخطيرة على دول الجوار والمنطقة والعالم، كلّها عوامل معرقلة يبدو معها الحل، وفق ما سبق أن أشار إليه عبدالله الثنى رئيس الحكومة الليبية، مرهونا بتدخل أو ضغط خارجيّين ! من شأنهما إجبار الميليشيات المسلحة على التصالح مع مجتمعها والقبول بالمسار السياسي الجديد.

7