ليبيا: جريمة تستحي منها الأبالسة

الخميس 2015/02/19

آخر الجرائم التي ارتكبها تنظيم الدواعش في ليبيا، هي الجريمة البشعة التي تصدّرت نشرات أخبار العالم، متمثلة في قتل 21 مواطنا مصريا بريئا، جاؤوا إلى ليبيا سعيا وراء الرزق، لمجرد أنهم ينتمون إلى الملة القبطية، بدم بارد، وجرأة على استعراض التوحّش والتباهي به، وإعلانه بصورة استعراضية للعالم.

هو عمل بربري يؤكد مدى استفحال الخطر الداعشي في ليبيا، وسيطرته على مناطق كاملة يبسط عليها نفوذه، بعد أن كان وجوده يقتصر على جزء من مدينة درنة، محتميا هناك بأحراش وأدغال وكهوف الجبل الأخضر، ولكنه في الأشهر الأخيرة تمدد وانتشر حتى وصل إلى العاصمة طرابلس، ليستعرض فيها طوابير عناصره الملثمة، مدجّجين بالسلاح، رافعين الأعلام السوداء، بل ويباشر تنفيذ عملياته في أكثر مناطقها استقطابا للضيوف، حيث فندق كورونثيا، الذي يجده الصحفيون والدبلوماسيون مكانا آمنا للإقامة، فإذا بعناصر التنظيم الداعشي تداهمه في عملية إجرامية تسفر عن تسع ضحايا يفقدون حياتهم، بينهم اثنان من الانتحاريين الداعشيين.

استهداف المصريين الأقباط له سوابق كثيرة، بعضها حصل في بنغازي منذ سنة مضت، حيث تمت مداهمتهم في مقر سكناهم واقتيدوا إلى شاطئ البحر لتقص رؤوسهم، وكانت آخر عملية قبل الأخيرة، طبيب يعمل في منطقة قريبة من مدينة سرت، تمت تصفيته هو وعائلته، لا لشيء إلا لأنه يخالف الدواعش في اعتناق الدين المسيحي، ثم يأتي أخيرا اختطاف هذا الحشد الكبير من العمال المصريين واحتجازهم لعدة أسابيع قبل الإعلان عن قتلهم، في المنطقة الوسطى من ليبيا، وعاصمة هذه المنطقة سرت، بعد أن صارت واحدة من مراكزهم، استولى فيها التنظيم على مبان حكومية ومقرات إعلامية، وصار يديرها لصالحه، بعد أن تراجعت الدولة وغابت مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وقد جاء هذا التمدد والانتشار الداعشي، بسبب إهمال متعمد من المجتمع الدولي لمحاربة هذا التنظيم في ليبيا، رغم أنه موجود منذ بضع سنين، وتجرأ منذ أشهر على إعلان ولائه للدولة الإسلامية في الموصل بقيادة الخليفة أبوبكر البغدادي مقدما له البيعة، بل وجاء تصريح هذا الأخير، بأن ليبيا صارت مقرا لتنظيمه يعيّن فيها الولاة والوكلاء، بل ويرى فيها الموئل لتنظيمه في المستقبل، والدولة التي ستخضع بكاملها لسيطرته.

وأرى هذا التقاعس أو هذا الإهمال، لغزا يحتاج إلى تفسير ويبحث عن مبرر، وراءه أجندات سرية لم تفصح عنها هذه القوى الدولية التي تحارب التطرف والإرهاب الديني في كل بقاع العالم، وأغمضت عينيها عن وجوده في ليبيا وهي تراه يرتكب الفظائع، وينتشر ويتمدد وينمو دون رادع ولا قوة محلية قادرة على إيقافه، تاركة إياه لسلطة محلية ليبية، لا حول لها ولا قوة، تعاني أعباء فترة انتقالية مليئة بالمشاكل والفوضى والارتباك، تعوزها الإمكانيات والموارد، وتدخل في صراع مع تيارات سياسية ذات مدد ودعم خارجي، مع نواة جيـش، يحـاول أن يؤسس نفسه، على أنقاض ما تبقى من الجيش الوطني، لا زال يعاني من آثار الحـرب المدمّـرة التي دارت بين نظام الطاغية، والثوار المدعومين بدعم جوي من قوات الناتو، وفوق هذا وذاك فهو مـا زال يخضع لحظـر على التسليح، لم يرفعه مجلس الأمن رغم تبدّل الأحوال والظـروف، ويتلقى في نفـس الـوقت الطعنـات والضربات من جماعات مسلحة مدعومة من بلدان مثل قطر وتركيا والسودان التي تناصر تيار الخلافة الإسلامية المزعومة.

وفي حين كان التحالف الدولي يطارد التنظيمات الإرهابية الداعشية في مناطق الشرق العربي، ويقدم الدعم لمحاربتها في بعـض منـاطق المغرب العـربي وبلـدان أفريقية أخرى مثل مالي ونيجيريا، فإنه يهمل مثل هذا الإرهاب في ليبيا، رغم أنها أكثر احتياجا للدعم مـن غيـرها، حتى تحولـت الأرض الليبية إلى أرض جاذبة للدواعش نظرا إلى سهولة اختراقها، والتسلل من حدودها التي لا وجود لجيش يحرسها، فتكاثرت فيها العناصر الإرهابية التي لا تنتمي إلى ليبيا أصلا، وإنما هي عناصر من شتى أصقاع الأرض ومختلف جنسيات العالم، بعضهم هرب من تونس والجزائر ومالي ونيجيريا بعد ارتكابه جرائم هناك، بحثا عن ملجأ آمن تقدمه لهم ليبيا.

وهناك شهود عيان، فروا هاربين من مداهمة التنظيم الإرهابي الداعشي لحقل نفطي هو حقل المبروك، قالوا إن ستين سيارة صحراوية حاصرت المكان واستولت عليها بالكامل تحمل عناصر من غير الليبيين، وقد أعطى هذا الإهمال الدولي لليبيا، وتسلميها لهذا الخليط من أهل التوحش والإرهاب، انطباعا لدى المراقبين للشأن الليبي، بأن هناك أجندة سرية لدى قيادة التحالف العالمي ضد الإرهاب، وهي الولايات المتحدة الأميركية، تقضي بأن تبقى ليبيا ورقة للمساومة، قصد استخدامها ربما في صفقة مـع الإسلام السياسي، وربما مع أهل التطرف أنفسهم، بأن تتركها لهم ينعمون بثرواتها وبراحات أرضها التي تعادل مساحة قارة من قارات العالم، شرط أن تكتفي بها، وتكف أذاها عن أميركا والغرب، وهي سياسة تعادل في إجرامها إجرام داعش نفسها، إن لم تكن تفوقه بشاعة، لأنه إجرام دولة هي الأكبر والأقوى في العالم، ولكن المعروف أن الشر كان دائما قرينا للإمبراطوريات الكبرى في العالم، التي تعميها القوة والمصلحة عن تمييز الخير من الشر.


كاتب ليبي

8