ليبيا: جيش ونواب وحكومة تنتظر التصديق

الخميس 2016/03/03

الهجمات الناجحة التي حققها الجيش الليبي في بنغازي ضد أوكار الإرهاب والتطرف الداعشي، أفرحت كل الليبيين، وبالذات أهل بنغازي، الذين يتوقون إلى أن تحقق هذه الضربات الناجحة ضد الإرهاب عودة السلام إلى مدينتهم وإعادة النازحين إلى مناطقهم ومنازلهم، وقد بدأ بعضهم في العودة فعلا، وتأخر بعضهم رغم خروج الإرهابيين منها، لأنهم زرعوا فيها خطر الألغام، فصار لا بد من تنظيفها من هذا الزرع الشيطاني قبل رجوع أصحابها إليها.

هذا النجاح الذي أحرزه الجيش في معارك بنغازي ضد عصابات المتطرفين يضعنا أمام مجموعة من الحقائق، تأتي في أولها، أن المؤسسة العسكرية الليبية التي تعاني التشظي والتقسيم تحت حكومة في غرب البلاد وأخرى في شرقها، قادرة ودون تدخل خارجي، على دحر تنظيم داعش عن كامل التراب الليبي، إذا توفرت حكومة مركزية، تستطيع توحيد عناصر المؤسسة، المبعثرة شرقا وغربا وجنوبا، على أن يتولى المجتمع الدولي، ودون حاجة إلى جيوش، دعم المؤسسة العسكرية الليبية بالسلاح، وتعزيز قدراتها القتالية بأجهزة الاتصال الحديثة والتقنيات العسكرية المتطورة والدعم اللوجستي والتدريب والخبراء.

الحقيقة الثانية، تقول إن دولة الإرهاب الداعشي، دولة لا جذور لها في ليبيا، ولا وجود لحاضنة اجتماعية لها بين أهل البلاد، وتتشكل أغلب عناصرها وكوادرها من إرهابيين قادمين من خارج البلاد، من دول الجوار ودول العمق الأفريقي، ومن دول إسلامية آسيوية، كما تقول الشواهد وما يتم التعرف عليه من قتلى أو أسرى.

الحقيقة الثالثة هي أن ما تحقق في بنغازي رغم أن الجيش ما يزال يواصل مهمته ولم يكمل إنجازها بعد، يمكن تعميمه على مناطق في ليبيا، بل وهناك بوادر نجاح تتحقق للجيش في مدينة أجدابيا، باعتبار أن دولة الإرهاب الداعشي وجدت فراغا لعبت فيه وقامت باستغلاله، بسبب انهيار الدولة، وتخلي ما تبقى من مؤسساتها وأجهزتها عن مسؤولياتها، ومعالجة هذا الفراغ، ولو بصورة مبدئية، ستحقق ما تريده المعركة من أهداف، فما حصل في بنغازي يشير إلى أن الفضل في الكثير من هذه النجاحات يرجع إلى التنسيق بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، عندما قام أهل المدينة أنفسهم وبادروا بمعاونة الجيش، وإكمال مهمات لم يستطع الجيش إتمامها، إلا إذا وجد بيئة شعبية تنشط في مجال المقاومة وفي تقديم المعلومة وسحب الغطاء عن أي إرهابي ينشد حماية أهل المنطقة.

لذلك نقول إن أولويات حكومة الوحدة الوطنية، إذا تحققت ولادتها المتعسرة، هي هذا الإرهاب الذي لن يتحقق في وجوده أي استقرار ولا أمان ولا فرصة لبناء أركان الدولة، وقيام هذه الحكومة سيوفر أرضية لانطلاق المعركة بأكثر فعالية وستشمل كل المناطق التي وصل إليها تنظيم داعش لحسم المعركة معه واستئصاله من كامل التراب الليبي، إلا أن هناك قضية أخرى لا مجال للانتظار فيها حتى تحسم المعركة مع الإرهاب، وهي التي تتصل بتردي الحالة الإنسانية، التي وصفها علي الزعتري المنسق الدولي للشؤون الإنسانية في ليبيا، بأنها حالة مزرية جدا ويصف ليبيا قائلا إنها في غرفة الإنعاش، وإن لم ننقذها فسندفع الثمن جميعا، لأنه كما يقول في تصريحاته هناك مليون ونصف مليون ليبي يواجهون خطر الموت، من واقع مليوني ونصف تقريبا في حالة عوز، هم في أمس الحاجة للغذاء والخدمة الصحية والتعليم لأطفالهم، والحماية لهم، وتأمين مكان لهم في مناطق هجرتهم ولجوئهم، ويضع لومه على الحراك السياسي في ليبيا.

المشكلة أن أهل هذا الحراك لا يرون هذه الحالة التي يراها الموظف الدولي، المعني بمثل هذه الأمور والذي يستنجد بالضمير الإنساني ويحاول استنفار الضمير الوطني، وهو مثلما يشير إلى تردي الحالة الإنسانية يحمل في مضمونه اتهاما لأهل الحراك السياسي بممارسات مأساوية يقومون بها، لعل آخرها البلطجة التي رأيناها في مجلس النواب يوم جلسة التصويت على إقرار حكومة الوحدة الوطنية، عندما عطلت مجموعة تعارض قيام الحكومة عمل المجلس، ومنعت بقية الأعضاء من الدخول، وحالت دون تصويت الأغلبية لصالح الحكومة، فذهبوا إلى خارج مقر المجلس يعلنون مصادقتهم بهذه الأغلبية الكبيرة، وللأسف فإن رئيس مجلس النواب لم يكن من حقه أن يتستر على موقفهم، عندما تكلم قائلا إن ما حدث يحصل في كل برلمانات العالم، ولعله صادق في الشق الذي يتحدث عن الخلافات والصراعات، ولكن كلامه يجافي الحقيقة إذا قصد منع التصويت، لأن طبيعة البرلمانات هي أن تحسم خلافاتها بالتصويت، ولم نر برلمانا في العالم حجبت مجموعة منه، حق التصويت على مجموعة أخرى، وإلا لتحول البرلمان إلى مهزلة ومسخرة وليس لتمثيل الناس بتفويض منهم، واتخاذ قرارات مصيرية تؤثر في مستقبلهم وترسم مقدرات بلادهم. وهي مسؤولية جسيمة نأمل أن نرى مجلس النواب الليبي يرتفع إلى مستواها، ويؤدي واجبه نحو الناس الذين أوصلوه إلى هذا المكان، وأن نرى جلسة لإقرار حكومة الوفاق الوطني يتوفر فيها احترام الاختلاف والاحتكام إلى صندوق التصويت وتغليب الوطن على التجاذبات العشائرية والمناطقية.

كاتب ليبي

9