ليبيا: حكومة ووفاق وأمل

الخميس 2015/10/15

بعد مخاض جاوز أكثر من عام من الأخذ والرد والتجاذبات المحلية والإقليمية والدولية، ومسارات من التفاوض بين أطراف ليبية على مختلف المستويات، وموائد حوار بدأت في واحة ليبية هي غدامس، ثم انتقلت إلى جنيف وطافت بين عواصم الدول المجاورة لليبيا، مثل تونس والقاهرة والجزائر، واستقرت في منطقة الصخيرات في العاصمة المغربية، واجتماع في نهاية الشوط في مقر منظمة الأمم المتحدة، تحت رعاية أمينها العام، عاد المفاوضون إلى جلسة أخيرة في الصخيرات، التي أَعلن منها المشرف على هذا المخاض المندوب الأممي برناردينو ليون، حكومة الوفاق الوطني، من رئيس للوزراء، وثلاثة نواب له واثنين من وزراء الدولة ثم تناثرت بعض الأسماء لعدد من المناصب والحقائب الوزارية، باعتبارها اقتراحات ليست ملزمة للفريق الرئاسي، وأن الحكومة هي آخر فقرة في الوثيقة النهاية للتوافق الوطني التي يجب أن تحظى بمصادقة مجلس النواب.

ويعرف قارئ هذه الصحيفة أنني من دعاة الحوار، ومن المؤيدين للنتائج التي أسفرت عنه، ومن المطالبين بسرعة تسمية الحكومة التي ستكون الخطوة الأولى في طريق طويل ينتظر العمل الليبي المرحلي الذي يسبق بناء الدولة، وستكون أيضا اللبنة الأولى في بناء الثقة بين الأطراف الليبية، وإعادة البلاد إلى حالة الأمن وحكم القانون، وتوحيد أجهزة الدولة التي عرفتها البلاد، قبل ما حصل من انهيار، إثر انتهاء مدة المؤتمر الوطني العام، ورفضه تسليم السلطة، وخضوعه لسيطرة الميليشيات وتغول الإسلام السياسي، الذي أنتج فرقا متطرفة تعمل بمعزل عن تكويناته السياسية المعترف بها في البلاد.

أقول بعد تسمية رئاسة الحكومة، إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولا سبيل في أي صيغة توافق بين أناس متحاربين احتكموا في مرحلة من مراحل الصراع إلى السلاح، أن تتطابق بينهم الآراء إلا عبر التنازل عن الكثير من القناعات المسبقة، لكي تصل الأطراف المتنازعة إلى صيغة يلتقون حولها، وسيكون مستحيلا أن تخرج صيغة تلبي ما يريده كل طرف. ولهذا أقول للذين خرجوا ينددون بهذه الصيغة أن عليهم الانصياع لما وصلت إليه الوفود التي تفاوضت باسمهم، وما تحقق على يد المبعوث الدولي.

وأقول أيضا إن بيان ليون بتسمية رئاسة الحكومة، كان يجب أن يكتفي به عند الخروج إلى الناس، دون تلك الإضافة باقتراح رئيس لمجلس الدولة، واقتراح اسم لمجلس الأمن الوطني، واقتراح ما يقرب من عشرين اسما لتأليف مجلس الوزارة، فهي إضافة لا حاجة لها، أربكت المشهد، وأساءت إلى الفريق الرئاسي الذي يجب أن يكون له وحده حق اقتراح الفريق الذي يعمل معه، ولعل هذه الأسماء هي التي أخرجت بعض البشر الغاضبين في مشرق البلاد إلى الشوارع، لأنهم رأوا فيها تحيّزا لمنطقة على حساب مناطق أخرى، مع أن المندوب الأممي، راعى حقيقة أن رئاسة مجلس النواب كانت من نصيب المنطقة التي شهدت مظاهرات الرفض للحكومة، واحتسب هذا المنصب، جزءا من المحاصصة التي بنى عليها التشكيل الجديد للجنة رئاسة الحكومة، كذلك فإن أهلنا في الشرق الليبي يتحسسون من أي إشارة سلبية إلى الجيش، أو تهدد بالتحيز ضده، ورأوا في تسمية أحد العناصر من الطرف المناوئ، لرئاسة مجلس الأمن القومي إشارة لا تريحهم، وأرجو أن يكون التوضيح الذي صدر عن المندوب الأممي، بأن كل الأسماء، خارج فريق رئاسة مجلس الوزراء، مجرد مقترحات ليست ملزمة لأحد، قد أراح الغاضبين.

لن أخوض في أولويات هذه الحكومة، فهي معروفة ويلهج بها كل الناس، مثل الملف الأمني والملف الاقتصادي وعودة المهجرين، ولكنني أشير إلى نقطة أساسية قد تنحرف بالحكومة إلى طريق الضياع، وهي اقتراحات متصلة بمكان عمل الحكومة، وأعتقد أن لا ضمان لنجاح الحكومة، إذا لم تعمل من العاصمة طرابلس، فترك العاصمة سيعيد الكرة إلى المربع صفر، وسيكون مقدمة للعودة إلى التشتت وتعدد مراكز الحكم، وتعدد السلطات الحاكمة، فإعلان الحكومة الوطنية، يجب أن يعني أنه قد انتهى تعدد السلطات ومراكز القرار، وأن ليبيا دولة برأس واحد وصانع قرار واحد وعاصمة واحدة، وأعتقد أن هناك إشارات مشجعة وردت من الجماعات المسلحة التي سيطرت على طرابلس باسم فجر ليبيا، والتي صدر عنها بيان يرحب بتأليف الحكومة، إذن فلا مكان آخر تعمل منه الحكومة غير طرابلس.

وطالما أن الجيش الليبي، يحكمه مسار عسكري تم التوافق عليه، وملحق يتصل بهذا الشأن، تضمنته وثيقة المصالحة، لاستيعاب عدد من عناصر الجماعات المسلحة، وقد لا يكون هذا الترتيب جاهزا في الوقت القريب، فإن البعثة الأممية المدعومة من المجتمع الدولي يجب أن تتقدم لتأمين وحماية مقر الحكومة في طرابلس، حتى إذا احتاج الأمر، إلى فرقة رمزية من القبعات الزرقاء لأداء هذه المهمة مؤقتا، وهو ما يضمن النجاعة للاتفاق، والنجاح لحكومة الوحدة الوطنية.

كاتب ليبي

9