ليبيا دولة الميليشيات

الثلاثاء 2014/09/16

لن تستطيع العيش في ليبيا سواء كنت من الثوار أو من الأزلام من أنصار فبراير أو أنصار الفاتح، من المدن الثائرة أو المدن الموالية، من الشرق أو الغرب، من الجنوب أو الساحل، من أصحاب الفكر الشرقي أو الفكر الغربي، من مؤيدي التيار الإسلامي أو التيار الليبرالي، لن تستطيع العيش إلا إذا كنت قائداً لميليشيا، أو لديك قوة حماية خاصة “ميليشية” تتبعك أينما ذهبت وحيثما حللت، لأن من يحكم ليبيا الآن ميليشيات يرأسها مجرمون أصحاب توجهات مختلفة، فالبعض منهم يَطمح أن يسيطر علی البلاد باسم الشريعة الإسلامية، وهم بعيدون عن مفاهيم الشريعة السمحاء، وبعضهم باسم شريعة الغاب حيث تستهويهم الفوضی وغياب القانون، والبعض الآخر، باسم الشرعية الثورية كأنهم هم من قام بالثورة ويرتجي في حصاد ثمارها دون الآخرين، وبعضهم باسم الشرعية القبلية أو الجهوية أو المناطقية، بعد أن قسموا البلاد والعباد إلی موالين ومعارضين.

لن تستطيع العيش وما زال البعض منا لا يؤمن بالمسار الديمقراطي، ولا يريد أن يعترف بشرعية مجلس النواب الذي انتخبه جميع الليبيين عدا قلة منهم، وبسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في بعض المناطق٬ وهؤلاء يريدون فرض رأيهم علی الآخرين بالقوة، غافلين أن محاربة فرض الأشياء بالقوة تؤدي دائما إلی الفشل.

نستطيع القول أن ما لم ينجح القذافي في تحقيقه، نجح فيه من خلَفَه في محاولة السيطرة علی مقاليد الأمور في ليبيا، وهم قلة من المجرمين المفسدين، أصحاب الأفكار المتطرفة المسمومة، لا يملكون حساً وطنياً ولا فكراً توعوياً، كل ما يملكونه أسلحة تقليدية متهالكة ورثوها عن القذافي كما ورثوا فكره الباطش، لقد نجحوا في تحقيق الفرقة والعدوانية والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد، وهو ما لم يستطع القذافي تحقيقه طيلة أربعة عقود، رغم ما نشره في المجتمع من رذيلة وجريمة ونكران، وفي اعتقادي أنها السبب الرئيسي لما يجري في ليبيا الآن.

لن تستطيع العيش دون أن تحمل سلاحاً قد لا يفيدك كثيراً عند مباغتتك من مجرم عرف كيف يتعامل مع السلاح، وسبق وأن قام باستعماله في تنفيذ العديد من الجرائم “اغتيال، خطف، سرقة بإكراه، تهديد وابتزاز”. لن تستطيع العيش ما دام السلاح بأيدي الميليشيات الثورية، والعصابات الإجرامية، والجماعات الإرهابية.

لن تستطيع العيش مادام القصف العشوائي للمنازل وللمباني مستمراً ويهدد حياة المدنيين الآمنين. لن تستطيع العيش مادام مفتي الديار، بدلاً من دعوته للإصلاح وبث الطمأنينة لدی عامة الناس، يدعو إلی القتال ورفع السلاح في وجه أبناء الشعب الواحد.

لن تستطيع العيش طالما يتحدث المتعلمون والمثقفون والحقوقيون بلغة الغالب والمغلوب، المنتصر منهم والمهزوم. لن تستطيع العيش وأموال الدولة منهوبة من المجرمين الصغار والكبار، بدءا من سرقة المصارف والممتلكات العامة، وصولا إلی الاختلاس مباشرة من الخزانة العامة بعقود وهمية واتفاقات شراكة دولية ما هي إلا حبر علی ورق. لن تستطيع العيش والسرقة تحصل في وضح النهار في أرقی شوارع العاصمة، فما بالك بالمدن الأخری، وحدث ولا حرج عن الجنوب الليبي. لن تستطيع العيش إذا كانت المطارات والموانئ والمنافذ البرية بأيدي عصابات ويحرسها مجرمون.

لن تستطيع العيش إذا كانت مراكز الشرطة وسرايا المحاكم والنيابات مغلقة بعد أن تعرضت للغزو والتفجير، وآلاف الأشخاص محتجزون تعسفاً، والسجون تحت إشراف البلطجية والحرامية.

لن تستطيع العيش إذا كانت مناطق مهجرة وعائلات مشردة لأسباب واهية وبحجج بالية، حيث يعلم الجميع أن ثلث سكان ليبيا مهجرون إما في الداخل، أو في الخارج. لن تستطيع العيش مادامت سلطات الدولة أخفقت في التصدي لعمليات الاغتيال والتهديد التي يتعرض لها القضاة وأعضاء النيابة العامة، والمحامون والشهود، بالإضافة إلى ضباط وأفراد الجيش والشرطة، ورجال الصحافة والإعلام. لن تستطيع العيش ما لم تتم محاسبة ومحاكمة من قام بالتحريض وتنفيذ الهجمات التي استهدفت مزارات دينية ومعالم سياحية في العديد من مناطق ليبيا.

لن نستطيع العيش حتى نقبض علی كل المجرمين “ثوار، أزلام، شراقة، غرابة، جنائيون أو متطرفون دينياً”.

حقيقة يجب أن يعترف بها أبناء الوطن، أن من يتحكم في الأمور داخل ليبيا، سياسياً، عسكرياً، أمنيا، حزبياً، مناطقياً، قبلياً وجهوياً، مجرمون يقتلون وينهبون دون أن يحرك ضميرَهم ساكنٌ، لا أحد يستطيع مواجهتهم، وإذا فعل لا ينال إلا القتل أو التهجير، أو الخطف.

جميع الصالحين لا حول ولا قوة لهم، سواء كانوا أعضاء برلمان أو حكومة، أئمة مساجد، مشايخ قبائل، رؤساء أحزاب، رؤساء مجالس محلية أو بلدية، لأن المجرمين انتشروا في كل مكان خاصة في أماكن اتخاذ القرار السياسي، العسكري، الأمني، القبلي والجهوي، وجميعنا يعلم ذلك ولا نحرك ساكناً ومن يتحرك ينال عقابه، فكل مدينة أو قرية أو جهة أو قبيلة في ليبيا تعرف مجرميها ومن يعرقل مسيرة بناء دولتها، ولكنها تأبی أن تتحرك أو تواجه لأسباب متعددة خوفا أو طمعاً، محاباة، أو مجاملة، لأن حب الوطن لم يزرع في داخلنا إلا لأيام قليلة معدودة وهي أيام الثورة الأولی.

لن نستطيع العيش حتى نحب وطننا أكثر من حبنا لمناطقنا وقبائلنا ومدننا، بل أكثر من حبنا لأنفسنا وأبنائنا وحتى والدينا. لن نستطيع العيش طالما ننظر إلی الأمور بمنظور جهوي، قبلي، مناطقي علی حساب الوطن، وقد تفشت بيننا المحاباة والمجاملة لأنفسنا وأقاربنا، خلافاً للمصلحة العامة لأبناء المجتمع بأكمله.

لن نستطيع العيش ما لم يفرق بين المواطن الصالح الذي يحتاج إلی علاج نفسي لتجاوز أزمته ومحنته التي خلفتها الحرب إبان فترة الثورة، وبين المواطن الفاسد الذي امتهن الجريمة والإجرام قبل الثورة وبعدها، ويحتاج إلی إيداع داخل السجون لإعادة تقويمه وإصلاحه وتأهيله.

لن نستطيع العيش ما لم نَسْمُ بتفكيرنا، ونعلم أن عدونا هو المجرم ولو كان أخي أو ابن عمي أو أبن مدينتي، أو كان يحقق مصالحي ومأربي وما أطمح إليه.

لماذا لا تواجه كل مدينة وكل قبيلة أبناءها المجرمين- طالما باتت أجهزة الدولة عاجزة عن فعل ذلك- وتقوم بإيداعهم السجون حتى تتم محاسبتهم عما اقترفوه من جرائم بحق الشعب الليبي، أم أنها تنتظر تنفيذ ذلك حتى تأتي قوات غازية لتقبض عليهم وتحاكمهم٬ وعند ذلك قد يحدث ما لم تحمد عقباه وهو أن تقف القوة الوطنية الصالحة مع هؤلاء المجرمين تحت شعار “أنا وأخي علی ابن عمي٬ وأنا وابن عمي علی الغريب”.

بالفعل لقد نجحت ثورة فبراير المجيدة وتخلصنا من نظام فردي، قمعي، فاشل، ولكن متی نتخلص من هؤلاء السفلة المجرمين؟

الجواب من أبناء الأمة الصالحين إلى حين٬ ولكن لن يصبر علينا أصحاب المصالح في ليبيا كثيراً. والدليل علی ذلك ما صرح به وزراء خارجية دول الجوار في اجتماعاتهم التي انعقدت مؤخراً في كل من مصر وتونس وأسفرت عن تشكيل لجان مكلفة لمتابعة القضايا الأمنية والعسكرية بما في ذلك مراقبة الحدود، بالإضافة إلی مهمة الاتصال بالطبقة السياسية ومكونات المجتمع المدني في ليبيا بهدف تسهيل الحوار الوطني٬ فهل أصبحنا عاجزين محلياً عن القيام بذلك، وبالتالي فإن الوقت لن يسعفنا كثيراً خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2174 المنعقد في 27 أغسطس 2014، وعلی البرلمان الجديد، وحكومته المؤقتة، أن يعملا بأسرع وقت ممكن وبجهد مضاعف من أجل إعادة الاستقرار إلی ليبيا، ومن أجل القبض علی المجرمين وقادة الميليشيات وزعماء العصابات الإجرامية والجماعات الإرهابية، وعلی كافة شرائح المجتمع “السياسية، الاجتماعية، القبلية والجهوية، أن تساند مجلس النواب للقيام بهذه المهمة التي لن تكون سهلة بل صعبة شائكة، لأن الكثير من أبناء الوطن للأسف الشديد مستفيد من هذه الفوضی بشكل أو بآخر، حيث نلاحظ أن بعض المدن الثائرة ترعی الإرهاب والمجرمين من أجل الحصول علی امتيازات خاصة بها كتعيين السفراء والوزراء وتولي المناصب القيادية، كما أن بعض الأحزاب مستفيدة كذلك من هذه الفوضى، لأنها لا تملك قاعدة شعبية وتحاول السيطرة علی مفاصل الدولة بالاستعانة بالمجرمين والإرهابيين، وكذلك الحال بالنسبة لأصحاب المصالح الشخصية والمستفيدين من ثروات البلاد بعد الإطاحة بالقذافي حيث يستعينون بالمجرمين لتمرير أجندتهم وملء خزائنهم.

فالجميع يعلم أن هناك الكثير ممن اشتركوا في هذه الثورة المباركة قد تحصلوا علی نفع غير مشروع وثروات طائلة بأعمال نهب وسرقة وابتزاز، ويخافون أن تقام دولة القانون فيجدون أنفسهم داخل السجون وأمام عدالة القضاء لمحاسبتهم عما اقترفوه من جرائم باسم الشرعية الثورية.

خلاصة القول أنك لن تستطيع العيش مادام الإفلات من العقاب هو السمة الغالبة، ومادامت السلطات الليبية لم تقم، لغاية الآن، بأية تحقيقات مستقلة ولم تحاكم أي شخص بسبب هذه الجرائم، ولاشك أن دائرة العنف ستستمر وتزداد حدتها طالما لا يحاسب أحد علی الجرائم الكبری المرتكبة في ليبيا الجديدة.

وكما جاء في بيان المنظمة الليبية للقضاء في شهر يوليو الماضي، وبصفتي أحد أعضائها “أنه قد بلغ السيل الزبی وتجاوز الأمر حدوده، ولم يعد بالإمكان الصمت والتجاوز لهذه الجرائم، فالمسألة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار بأن هناك خطة مدروسة وممنهجة لإسكات الأصوات الوطنية ولتكميم الأفواه ولوضع القيود على رجال ونساء الوطن الأحرار من قبل حفنة من الإرهابيين والمجرمين”.

وناشدت المنظمة أبناء الشعب الليبي لتجاوز كافة العقبات والعوائق التي تقف أمام بناء الدولة، بأن نواجه، جميعا، الأخطار التي تحدق بها، وأن نرتقي معاً إلى مستوی المسؤولية لحماية الوطن والمواطن حتى نشرع معا في تأسيس دولة القانون والمؤسسات التي يسودها السلم والأمن والتنمية”.

سيدي القارئ لقد قلتها وبشهادة الزملاء أمام محكمة بنغازي، منذ اليوم الأول للثورة المجيدة، إنها “ثورة شباب ودولة قانون” وللأسف الشديد لم ينصَف الشباب ولم يطبق القانون، فمتی تحقق الثورة أهدافها بعد أن نجحت في الإطاحة بالدكتاتور.

وأختتم بمقولة شيخ الشهداء عمر المختار: إنني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوی من كل سلاح”.


قاض وناشط حقوقي ليبي

9