ليبيا رهينة المجهول في ظل تباين الآراء حول حل لأزمتها

السبت 2015/02/21
الليبيون يحثون القوى المتصارعة على إنهاء النزاع المسلح والاحتكام إلى منطق الحوار

تونس - تواصل صحيفة “العرب” متابعة الأحداث المتسارعة في ليبيا، على خلفية الردّ العسكري المصري إثر عملية ذبح المواطنين المصريين على يد تنظيم “الدولة الإسلامية”. وقد مثّلت مسألة التدخّل العسكري الخارجي، قضيّة الأسبوع في الملف الليبي، دون أن تتوصّل المجموعة العربية والدولية إلى قرار حاسم، في ظل تردّد يعكس عمق الأزمة والمخاوف الدولية من تداعيات أي حلّ يطرح بخصوصها.

جاءت مشاهد ذبح الرهائن المصريين الأقباط بشكل بشع على أيدي ما يعرف بـ”تنظيم الدولة الإسلامية” في ليبيا، مؤخرا، وما تلاها من غارات للطيران الحربي المصري على مدينة درنة، شمال شرق البلاد، ثم ما راج من سيناريوهات حول التدخل العسكري المصري، لتطرح تساؤلات عديدة حول تواجد هذا التنظيم في ليبيا، وعن سبب إقدامه في هذا التوقيت بالذات على ارتكاب هذه الجريمة، وكذلك حول انعكاسات هذا التطور على تركيبة الساحة الليبية الحالية بشكل أوسع، وأيضا حول أفق الحل السياسي للأزمة الليبية المستعصية.

التركيبة السياسية

التركيبة السياسية الحالية في ليبيا تندرج كلها ضمن ما يمكن أن تطلق عليه تسمية “المربع السياسي الليبي”، فهي تشمل أربعة أقسام رئيسية منها اثنان يشاركان في الحوار الوطني الجاري برعاية أممية واثنان خارجه.

ويجمع الحوار الوطني الذي انطلق تحت إشراف وإدارة المبعوث الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، برنادينو ليون، اثنين من أهم المكونات السياسية الليبية، الأولى محسوبة على المؤتمر الوطني العام في طرابلس، المحسوب على الإخوان المسلمين والذي يعرقل إلى حدّ الآن وفق مراقبين أي جهود تبذل للتسوية، والثانية ممثلة للبرلمان المتواجد في طبرق، والذي يحظى بالشرعية الدولية.

ويشمل المؤتمر الوطني العام الذي أفرز “حكومة الإنقاذ الوطني” بقيادة عمر الحاسي في طرابلس، والذي تعتبر ميليشيا “فجر ليبيا” ذراعه المسلح، عددا من القوى الإسلامية (المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين)، التي يقول مراقبون إنها مرتبطة بالجماعات الجهادية المقاتلة في ليبيا والتي تشترك معها في المرجعية الفكرية.

أمّا برلمان طبرق، فقد أفرز حكومة (معترف بها دوليا) يقودها عبدالله الثني. ويعتبر اللواء خليفة خفتر، قائد قواتها العسكرية (الجيش الوطني الليبي).

التلكؤ البادي على موقف ممثلي المؤتمر الوطني بطرابلس، الذين ما زالوا يطمحون إلى الحسم عبر قوة السلاح يدفع الحوار نحو الفشل

وتكتمل أضلاع “المربع” الليبي بقوتين أخريين متناقضتين، تتموقعان خارج دائرة الحوار؛ الأولى تضم أركان نظام القذافي المتواجدين اليوم بين السّجون أو خارج ليبيا، وعدد من هؤلاء هم من عائلة القذافي نفسه، ولعلّ أبرزهم أحمد قذاف الدم، المتواجد حاليا في القاهرة.

أمّا الطرف الثاني الذي لا يشارك في الحوار، فهو ما يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية” في ليبيا، وعدد من التنظيمات المتطرفة الأخرى التي تسيطر على عدّة مناطق من البلاد في ضوء ضعف سلطة الدولة المركزية، وهي مجموعات لا يمكن اعتبارها ليبية صرفة نظرا إلى أنّها مكونة من مزيج من عناصر ليبية وأجنبية، وفي الغالب هي مرتبطة بولاءات خارجية.

وقد مرت العلاقات المتشابكة والمعقّدة بين هذه المكونات الأربعة بمراحل مختلفة تراوحت بين التجاهل والهدنة والصراع؛ فميليشيا “فجر ليبيا” تعتبر أن “عملية الكرامة” التي انطلقت في مايو 2014 والتي يقودها اللواء حفتر “ضدّ المتطرفين”، عملية “انقلابية” على “الشرعية” السياسية الممثلة في المؤتمر الوطني العام في طرابلس (الذي انتهت شرعيته بالفعل بإجراء انتخابات أسفرت عن تركيبة برلمانية جديدة).

ويرى حفتر ومن وراءه برلمان طبرق وحكومة الثني أنّ هذه الميليشيا، ليست سوى وجه من وجوه الفصائل الجهادية الأخرى التي تهدد أمن البلاد وتسعى إلى بث الفوضى ونشر الإرهاب، خدمة لمشاريع الإسلام السياسي التي سحب الشعب الليبي البساط من تحت أقدامها بعد أن أبعدها عن الحكم عبر صناديق الاقتراع.

وفي ظل هذا الصراع المتأجج بين طبرق وطرابلس، استغلت التنظيمات المتطرفة الأخرى هشاشة الوضع الأمني في ليبيا لتكثيف نشاطها، فأصبحت في الأشهر القليلة الماضية أكثر قوّة من ذي قبل من ناحية مواردها البشرية والعسكرية واللوجستية.

السنوسي البسيكري: الأطراف الليبية الحالية لا يمكن أن تصل إلى حل سياسي بمفردها

هذه التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها “داعش”، أعلنت عن وجودها بقوة، مؤخّرا، من خلال بثّ مشهد إعدام الأقباط المصريين، وهو المشهد الذي عكس بقوة أهدافها المتمثلة في إسقاط هيبة الدولة الليبية إلى الأبد وإلغاء تأثير أي اتفاق محتمل على الأرض يفرزه الحوار الدائر بعيدا عنها.

ويرى أمية الصديق، رئيس مؤسسة المقدمة (منظمة تونسية غير حكومية)، المختصة في تحليل وإدارة النزاعات في المنطقة، أنّ “الهدف من قتل الرهائن المصريين بهذا الشكل هو نسف الحوار الوطني القائم الآن، واستجلاب تدخل عسكري ضدّ داعش يضعه في مقدمة المشهد ويسمح له بالحصول على تعاطف شعبي”.

وممّا يساعد أكثر على فهم سعي “تنظيم الدولة الإسلامية” للوصول إلى تدخل أجنبي في ليبيا، يوضح الصديق، أنّ “هذه التنظيمات تبحث عن ساحات قتال واشتباك مباشر مع الجيوش النظامية، من أجل أن تستثمرها لمزيد من الاستقطاب والحشد الشعبي، انطلاقا من رؤيتها القاضية بأنّ أي تدخل عسكري أجنبي سيولد قطعا حالة من الغضب الشعبي في ليبيا وربما خارجها”.

حل سياسي عسير

في ظلّ التطورات الليبية الأخيرة على الصعيد العسكري وما تفرزه من معطيات جديدة على الأرض، مثّل الطلب الذي أعلنت عنه حكومة طبرق والقاضي بالتدخل العسكري الخارجي لصد الإرهاب ودعمها بالسلاح، والذي يرى مراقبون أنه طلب معقول في ظلّ تمسك ميليشيا “فجر ليبيا” بموقفها المبني على فكرة الحسم العسكري، لا يبدو الحوار الوطني الليبي مخرجا نهائيا للأزمة، خاصّة أنّ الحوار ذاته يواجه عقبات ملموسة على الرغم من التقدم الشكلي الذي أحرزه، مؤخرا، مع بدأ محادثات “غير مباشرة” بين الحكومة المعترف بها دوليا والمؤتمر الوطني العام بقيادة ميليشيا “فجر ليبيا”، حيث يرى مراقبون أنها لن تنجح في ظلّ التلكؤ البادي على موقف ممثلي مؤتمر طرابلس الذين ما زالوا يطمحون إلى الحسم عبر قوة السلاح، وفق تعبيرهم.

موسى الكوني، ممثل الطوارق في الحوار الوطني الليبي، قال “إنّ الحل في ليبيا صعب في ضوء العلاقات المعقدة والمتشابكة بين أطراف الأزمة”، مشيرا إلى أن “ليبيا تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، مثلما كان الوضع في لبنان لسنوات طويلة”. وأضاف أنّ “مشكلة الإرهاب في ليبيا ليست ليبية على الإطلاق، لأن الإرهاب المتواجد على أراضينا هو في الأصل مصدّر إلينا، فنحن اليوم مازلنا نعاني من التدخل الفرنسي في مالي (قبل عامين) الذي حوّل وجهة إرهابيين ماليين من بلادهم إلى ليبيا”.

«فجر ليبيا» ليست سوى وجه من وجوه الفصائل الجهادية التي تهدد أمن البلاد

رئيس المركز الليبي للدراسات الإستراتجية، السنوسي البسيكري، أكّد بدوره، أنّ “الأطراف الليبية الحالية لا يمكن أن تصل إلى حلّ سياسي بمفردها، لأنّ الصراع بينها بلغ حدودا غير مسبوقة، ولأنّ موازين القوى لا تسمح ولن تسمح لأحد بالحسم العسكري لصالحه”، موضّحا أنّ “الأزمة الليبية متداخلة الأطراف ومعقدة، ولا يمكن أن تُحلّ داخليا فقط أو حتى تحت رعاية دولية، فهي لن تحل إلا باتفاق إقليمي دولي وبإرادة قوية وإيجابية من الخارج، تعمل على تسويتها جذريا”.

ويواجه المجتمع الدولي مهمة صعبة للتوصل إلى حل سياسي في ليبيا التي تعيش في حالة فوضى على كافة الأصعدة، بعدما رفض بشكل ضمني التدخل في إطار تحالف عسكري، وفق عدد من المحللين.

وقال برناردينو ليون، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، أمام مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، إنّ الحل الوحيد في ليبيا سياسي. كما أوضحت كلوديا غازيني، من مجموعة الأزمات الدولية، أنّ الحل السياسي قد يكون “صعبا ولكنه ليس مستحيلا”، مؤكدة أنه “على المجتمع الدولي أن يبقي تركيزه موجّها على جهود الحوار”. وما يزيد من ضبابية الوضع في ليبيا ويصعّب الحل أكثر، وفق مراقبين، هو أنّ الصراع الدائر بين الجماعات المسلحة مختلف عن الصراع الحاصل في كلّ من العراق وسوريا، إذ يتعلّق في جوهره بالسّلطة والثروة في سياق شبكة من الرّوابط والهويّات الاجتماعية والدينية والقبلية والجهوية والأيديولوجية.

ولا يمثل الدين إلاّ عنصرا واحدا من بين عدّة حوافز تقف وراء الصراع، وخلافا للوضع في العراق وسوريا، ليست الاختلافات الاجتماعية والسياسية الكبرى في ليبيا إثنية ولا هي طائفية كذلك.

لكن الأهمية التي تمثلها ليبيا في محيطها الإقليمي والدولي تدفع نحو الحرص على ألاّ تُترك لتتحول إلى دولة فاشلة في قلب منطقة المتوسط، حيث يطرح الصراع الدائر فيها تهديدات حقيقية لكل من مصر والجزائر وتونس، بما في ذلك تهريب السلاح والبشر، وخاصة بعد إنشاء مناطق موالية لتنظيم “الدولة الإسلامية”.

هذا ويرى متابعون للشأن الليبي، أنه إذا استمر الفراغ في السلطة، وتواصل الانقسام الدولي، وتدخل بعض الدول في الصراع لدعم هذا الطرف أو ذاك، ستتضاعف إمكانية انتشار الإرهاب خارج ليبيا وداخلها.


إقرأ أيضا:



◄ داعش ليبيا.. فوضى تم بناؤها خلية خلية

7