ليبيا ضحية الرعونة السياسية للقوى الغربية

الأحد 2015/03/15

عند وصولنا إلى بنغازي على متن طائرة نقل عسكري من طراز سي-130 في شهر مايو عام 2011، لم نتوقع أبدا أن ليبيا ستشهد بعد سنتين فقط انفجارا هائلا للعنف بزعامة تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية، والذبح المروّع للأقباط المصريين والتفجيرات الانتحارية المدمرة (أحد هذه التفجيرات حدث منذ بضعة أسابيع فقط في مدينة القبة الشرقية وأسفر عن قتل 51 شخصا وجرح ثمانين آخرين).

ولم يخطر في بالنا أننا سنشاهد أيضا خطف عمال النفط الغربيين واكتشاف عدد لا يحصى من الموظفين الأمنيين ونشطاء من المجتمع المدني مقطوعي الرأس في بنغازي. بدلا من ذلك، وتناغما مع ما يحدث من صراعات إقليمية أخرى، أقنع النشطاء الليبيون السياسيين في الغرب أن إعادة بناء ليبيا ستكون عملية سهلة نسبيا، فالقذافي انتهى أمره والجيش أصبح عديم الفائدة والقبائل محطمة.

كانت النية أن نبني دولة جديدة على أسس صلبة. كم كنا مخطئين عندما صدقناهم. لم يكن ذلك بسبب استحالة هذا المشروع، لكن كان الأمر يستوجب معرفة أكبر وعزيمة أكبر والمزيد من التخطيط وقدر أكبر بكثير من الموارد التي كانت حكوماتنا مستعدة لأن تسخرها لإنجاز هذه المهمة. وعوضا عن ذلك بينت ليبيا تكلفة الرعونة السياسية لحكوماتنا.

لقد لعبت وسائل إعلام إقليمية واجتماعية موجهة بدرجة كبيرة، بما في ذلك الإخوان المسلمون وفضائية الجزيرة القطرية دورا كبيرا في إقناع القوى الغربية ليس فقط بالحاجة إلى “حماية المدنيين” لكن أيضا لتدمير عمود راسخ من أعمدة النظام الإقليمي على الرغم من بشاعته. وفي حين كنا ننادي بفضائل احترام حقوق الإنسان وتطوير مؤسسات شفافة وديمقراطية تعددية، لم نكن مستعدين للتمسك بتحويل كل ذلك إلى حقيقية.

إضافة إلى ذلك، تبيّن أن مختلف التوجهات السياسية الليبية المتنازعة كانت تتصارع في الواقع على الأهداف وليس فقط على الوسائل، كما كان يبدو.

تيار ائتلاف القوى الوطنية، الحاصل على الأغلبية والأكثر ليبرالية نسبيا، على الرغم من أنه ما زال محافظا من الناحية الاجتماعية، دعا إلى إصلاح مؤسسات الدولة الليبية والمزيد من المركزية. أما الإسلاميون الأقل شعبية والأكثر تنظيما وتمويلا وحلفاؤهم ففضلوا الثورة المتواصلة، لأنهم لم يقتنعوا بمجرد نصيب من الدولة الجديدة بل أرادوا الاستحواذ عليها بالكامل.

عند استعادة الأحداث ندرك أنه بالرغم من التملق والكلام المعسول، لم يتم التفكير في القيم ولا المصالح المشتركة إلا بقدر ضئيل وسطحي جدا، بعد مغادرة القوى الدولية على إثر سقوط القذافي في 2011. ودون إعداد استراتيجية طويلة المدى لعلاقاتنا مع الليبيين والدعم الواضح لمن يشاركوننا ما يكفي من قيمنا ومصالحنا في محاربة الإرهاب وتنمية الأمن والاقتصاد، نكون قد ورثنا الأسوأ من الجهتين: تهديد إرهابي مخيف بصدد التشكل والنمو في خاصرة أوروبا اللينة، والانهيار الكامل تقريبا للاقتصاد الليبي.

ويبقى الاقتصاد العنصر الأهم في مستقبل ليبيا إذا ما أريد توفير بديل عن العنف لشباب ليبيا، وإقامة حاجز من الرخاء من أجل الحيلولة دون الهجرة غير الشرعية الى أوروبا. وكما هو الشأن في كل مكان في المنطقة، فإن النمو الاقتصادي هو وحده الكفيل بمنح الشعور بالتفاؤل تجاه المستقبل وتحصين المجتمعات ضد فيروس “غياب الجذور المجتمعية” في حاضر قاتم باستمرار. هذا، بالإضافة إلى انهيار معنى الفرد في المجتمع هو الطريق الأسرع نحو “الجهاد المقدس″.

حاملو الرايات السوداء الذين حاربوا صدفة بجوار جيوشنا في عام 2011، تمت إعادة تعريفهم بـ”مقاتلي الدولة الإسلامية”. وقوى تريد التمادي في تقديمهم لنا نجحت في خلق سحابة من الإعلام الاجتماعي المصممة خصيصا للتأثير علينا.

ورغم ذلك كله، فإن الوضع يزداد وضوحا. ويبقى البرلمان المنتخب بشكل ديمقراطي منعقدا في مدينة طبرق المؤمّنة على الحدود مع مصر، بالرغم من تصاعد حدة الاقتتال الداخلي والحرب التي يخوضها الجيش لاستعادة بنغازي من أيدي المتشددين لكنها تحتاج دعما كبيرا.

وتتجه الأنظار إلى إدارة طرابلس المدعومة من الميليشيات والإخوان المسلمين، على خلفية علاقتها شبه السرية مع المجموعات المتطرفة الموجودة في ليبيا والمنحازة الآن إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

ودون تدخل عسكري فوري ومنسق لمساندة من نشاركهم الاهتمام بالإصلاح على حساب الثورة، واستعادة الأمن واستقرار الدولة وإعادة بناء الاقتصاد، تكاد ليبيا تصبح دولة فاشلة، حيث يتعرض الشباب باستمرار إلى إغراء الانضمام إلى مجتمع بديل تتشكل عناصره من قتلة ومجرمين.

في النهاية لا نستطيع التعامل مع الجماعات الإرهابية المعروفة والمتورطة في احتلال طرابلس. الحوار بزعامة الأمم المتحدة جدير بالثناء، لكن دون تحديد أين تكمن الشرعية، أو في ظل غياب استراتيجية متماسكة سيؤول الأمر إلى الفشل في نهاية المطاف.

وعندما نشاهد اغتيال الكثير من الأصدقاء القدامى منذ الأيام الأولى للثورة إلى الآن، وخاصة بعد استهداف الناشطة العلمانية انتصار الحصائري مؤخرا في طرابلس الواقعة تحت سيطرة الميليشيات، يتضح أن الليبيين فقط هم من يستطيعون حل مشاكلهم.

لكن بالتركيز الدبلوماسي على المصالح والقيم المشتركة ستتضح حتما الملامح الاقتصادية والعسكرية لسياستنا الخاصة بليبيا والمنطقة بصفة عامة

ومن أجل هذه الغاية على القوى الغربية أن تقوم فورا بمراجعة موقفها الغامض والمتذبذب تجاه ليبيا، وأن تتجنب النفاق البيروقراطي الذي يتبناه موظفون مغرضون يدّعون عدم وجود حل عسكري للأزمة ويحاولون تسويق حلول سياسية لا علاقة لها بالواقع. الوسائل العسكرية هي بالطبع (لمن قرأ كتاب كلوسفيتش) وسائل سياسية، والإسلاميون بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية يعطوننا درسا في استخدامها.


جنرال سابق كبير في الجيش البريطاني ورئيس البعثة الدبلوماسية في بنغازي

2