ليبيا.. عمق الأزمة لم يوقف صناعة الأمل

إذا تعمقنا في دراسة تفاعل الشعب الليبي مع الأحداث الدامية، نجده صانعا للأمل رغم غياب سلطة الدولة، ومن يتابع المنجز الليبي هذه الأيام في مختلف مجالات الإبداع يدرك أن ليبيا ليست دما فقط رغم القتل اليومي وتوسع مساحة الإرهاب.
السبت 2018/04/28
صلابة المجتمع

تُؤرقنا مشاهد الدماء في كل أقطارنا العربية، التي تعيش تحت أوزار حروب تداخلت فيها أحقاد الداخل، مع تنفيذ قوى خارجية لمخططاتها لأجل تحقيق مصالحها، ولا شك أن تلك المشاهد هي أشدّ وطأة على أهلها المرابطين على الأرض، ومع ذلك هناك صناعة للتاريخ في دولنا، تاريخ متجه نحو محطات التغيير الكبرى في المصير البشري على ما في هذا التغيير من نتائج دامية وسلبية في الوقت الراهن، انطلاقا من مسألتين تشتركان في إمكانية بعث الأمل لإنقاذ دولنا، هما: العودة للحياة من جديد عبر مراحل التاريخ المختلفة، والقدرة على المقاومة.

فبالنسبة لما يمكن تسميته بالعودة التاريخية إلى الحياة من جديد، فإن تجاربنا نحن العرب، كما هي تجارب الكثير من دول العالم، تؤكد أن عودة الدول، قوية ومستقرة، هي أمر ممكن الحدوث، بحيث تشكل حماية لأهلها، مع تطور الوعي السياسي وصلابة المجتمع.

أما بالنسبة للقدرة على المقاومة، فإن المحاولات التي تبذل من أجل تكريس ثقافة “النسيان الوجودي” ونشر “سياسة العجز” عن الخروج من الأزمة أو الكارثة أو المأزق عبر استراتيجيات مدروسة وثابتة وتكتيكات متغيرة، لا يمكن تحقيقها إلا إذا تم القضاء على الشعب المستهدف نهائيا وبشكل مباشر، وهذا ليس هو المصير الحتمي للعرب، على ضوء ما تعرضوا له في الماضي، وفي ظل ما يواجهونه اليوم من مشاريع تقسيم وتجزئة وتفكيك.

في الحالات العربية الراهنة ذات الطابع المأساوي لدول تسعى للتغيير بمزيد من تعميق الأزمة، تتبدّى لنا مسألتان هامتان، تعمل قوى داخلية وخارجية من أجل تحقيقهما مهما كانت التكلفة.

الأولى: العمل من أجل التسليم بأن الأزمات الدموية، وبغضّ النظر عن خلفياتها وأهدافها، قدرا محتوماً، والثانية الحيلولة دون ظهور فكر واع وراشد يحمل بذور التغيير.

المسألتان لم تتحققا في الدول العربية التي تعيش الحروب رغم وجود يأس جماعي، وهو أكثر انتشارا بين أوساط السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال، ويعود السبب في ذلك لوجود أنفس حية متعلقة بالبقاء وبالتغيير انطلاقا من ثلاث أبعاد، أولها: ذاكرة جماعية تذهب بعيداً في التاريخ مستحضرة انتصاراته الماضية بما يمثّله لها من رصيد داعم في الحاضر. وثانيها قناعات حاضرة ترى أن شدة الأزمة تَشي بنهايتها. وثالثها أن إرادة التغيير التي حاربت الاستعمار حتى أخرجته، وقاومت الأنظمة القائمة حتى أسقطتها، تواجه اليوم مختلف مظاهر الإرهاب في حرب وجودية وقيمية قادرة على ترجيح الكفة لصالح كسب الحروب الراهنة، والحالة الليبية خير مثال على ذلك.

الليبيون اليوم يعيدون تذكير العالم كله بإسهاماتهم في الحضارة الإنسانية قديما، وبدورهم الفاعل في محيطهم المغاربي، وعلى مستوى الأمة العربية

ليبيا، حيث الغياب الكلّي للدولة، تُمثل اليوم مأساة بكل المقاييس إذا نظرنا إليها من ناحية التكلفة البشرية والمادية للحرب الدائرة هناك، في إطار سياق دولي عام لإغراق العرب دولة تلو الأخرى في مشكلاتها الداخلية، وإدخالها في صراعات حول السلطة تبدأ بسؤال من يحكم من ولا تنتهي بإشكالية من يفتي لمن في مسائل الدنيا والآخرة؟

لكن إذا تعمّقنا في دراسة تفاعل الشعب الليبي مع الأحداث الدامية، نجده صانعا للأمل رغم الغياب الكامل لسلطة الدولة وحمايتها، ومن يتابع المنجز الليبي هذه الأيام في مختلف مجالات الإبداع الفكرية والأدبية والعلمية يدرك على الفور أن ليبيا ليست دما فقط، رغم القتل اليومي وتوسع مساحة الإرهاب، مع أن الإعلام يعتبرها بؤرة الأشرار، وبالتي على القوى صاحبة المصلحة أن تتدخل للقضاء عليهم، وزرع الخير الذي تراه ومنه تقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات على الأقل، تحمي كل واحدة منها نفسها إن استطاعت، مادامت المعطيات تشير إلى صعوبة إن لم تكن استحالة عودة ليبيا إلى سابق عهدها، ويمكن تدويل المناطق البترولية، وبالتالي حمايتها من طرف الشركات الدولية العابرة للقارات.

لكن السؤال هنا: لماذا التركيز على ليبيا مع أن دولا عربية تواجه نفس المصير كما هي سوريا واليمن والعراق، وأخرى تشترك معها في أحداثها المأسوية لجهة زيادة العمليات الإرهابية، وإن بدرجة أقل كما هو الأمر في مصر؟

الوقوف عند ليبيا في هذا المقال، ليس باعتبارها تمثّل الدول العربية المتأزمة، ولا لأن وضعها ازداد سوءا، وإنما لسببين رئيسيين: الأول: النسيان، المقصود أو غير المقصود، مقارنة بما يحدث في دول أخرى، حتى بدت الحرب الأهلية فيها كأنها حياة يومية عادية طبيعية، وليست نتاج قوى الشر في الداخل والخارج مصحوبة بإعلام قاس وصاخب، خاصة على مستوى المرئي، لا يرافق بعمد أو بغيره الليبيين في مواجهتهم للفتن الداخلية بقوة الإيمان وببذل جهود مُقَدَّرة لإخراج بلادهم من أزمة وجودية قبل أن تكون سياسية.

مع أن الليبيين اليوم يعيدون تذكير العالم كله بإسهاماتهم في الحضارة الإنسانية قديما، وبدورهم الفاعل في محيطهم المغاربي، وعلى مستوى الأمة العربية.

والسبب الثاني أن ليبيا اليوم تعتبر منطقة صراع ونفوذ لحسم صراع دولي واسع بين عدة أطراف، متداخلة ومتقاطعة في مصالحها. على أرضها اليوم تتقاتل الجماعات الإرهابية مثل تنظيم داعش والقاعدة مع الدول الكبرى في العالم، وتتقاتل دول ذات مصالح من حلف الناتو مثل تركيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا في ما بينها، وتتناحر دول عربية أخرى موجودة على الأرض، أو داعمة لأطراف بعينها، وفيها تطارد الولايات المتحدة الجماعات الإرهابية، وتحاول توسيع مجال وجودها العسكري والاستخباراتي، وتعمل روسيا على اللحاق بها، وفيها أيضا صراع جماعات الإسلام السياسي مع من بقي صامدا من التيار الوطني.

ليبيا اليوم تمثل صراعا بين العرب والعرب، وبين الدول الغربية وشريكاتها في مناطق النفوذ، وبين الإسلاميين وشركائهم في الإرهاب، وبين دول الجوار، وكل هذه الأنواع من الصراع ضحيتها الليبيين، ومع ذلك فليبيا اليوم ليست دما فقط. إنها تصنع الأمل بعمل ووعي أبنائها لتقول للعالم لا أزال حية وسأبقى، وكل منجزات الليبيين، حتى تلك التي صاحبتها الموت والفجيعة والألم أو كرست الأخطاء والانهيار، تؤكد على عودة قريبة، حتى لو رآها الآخرون مستحلية أو بعيدة.

9