ليبيا: عودة الأمل

الخميس 2016/09/29

سيطرة الجيش الليبي على موانئ الهلال النفطي، ومباشرة المؤسسة الوطنية للنفط تصدير شحنات البترول الخام من هذه الموانئ بشكل منتظم، وبمعدل ربع مليون برميل في اليوم، والذي يأمل مدير المؤسسة أن يتضاعف ثلاث مرات مع نهاية هذا العام، أشاع جوا من التفاؤل في أوساط الشعب الليبي، وأعاد الأمل بانتهاء الأزمة المعيشية التي يعيشها الليبيون وأوصلتهم إلى مستويات متدنية، إلى حد أن رأينا شبابا لا يجدون أمامهم إلا خيار الهجرة غير الشرعية وركوب قوارب الموت، مثلهم مثل بلدان خط الفقر والتصحر في العمق الأفريقي، وظهرت في الإعلام تقارير مؤسفة عن حالات موتى وغرقى من بين هؤلاء المهاجرين الليبيين.

واضح أن الأمر استتب للجيش في هذه المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، ولا مجال لعودة ميليشيات الابتزاز والإجرام إليها، ومعاودة السيطرة عليها كما حصل سابقا، وكان مؤسفا أن نرى القوى الكبرى في المجتمع الدولي تتخذ موقفا عدائيا من خطوة استيلاء الجيش على هذه الموانئ وتطالبه بالانسحاب الطوعي قبل أن يفعل ذلك إجبارا على يد هذه القوى، ووصل الأمر إلى رفع قرار إلى مجلس الأمن يعطي هذه البلدان حق إرغام الجيش على ذلك، ولكن وقوف روسيا والصين مع خطوة الجيش أجهض القرار، واتضح فيما بعد أن هذا الموقف الغربي لم يكن ناتجا عن حب لميليشيات حرس المنشآت النفطية سيئة السمعة، ولكن عن فكرة خاطئة عن الجيش وجهل بحيثيات المشهد الليبي، وما إن اتضحت الحقيقة حتى باركت هذه القوى ما حدث، وعادت إلى التعامل بايجابية مع هذه التطورات، بل وبدا واضحا أن النظرة إلى الجيش الليبي تبدلت كثيرا، وربما نرى في الأيام القليلة القادمة انعكاسا لهذا التبدل على مجريات الأحداث الليبية.

ولا بد من القول إن جزءا من الفوضى والارتباك الذي تميزت به الأحداث الليبية ناتج عن هذا الجهل الفاضح بمفردات الواقع الليبي، وهو ما ظهر جليّا في التقرير الذي عرض على مجلس النواب البريطاني، والذي يريد إدانة رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون لاتخاذه موقفا مؤيدا للثورة في ليبيا، وهو تقرير مخجل ويعبّر عن جهل فاضح، عندما يشكك في خطورة الرتل الذي أرسله الحاكم الليبي السابق إلى بنغازي لتأديب أهلها، وإنزال العقاب بها، باعتبارها المدينة التي بادرت بالثورة، ونجحت في إزالة مظاهر الحكم منها خلال أيام قليلة، وأن يأتي بعد خمس سنوات من يشكك في خطورة ذلك الرتل ويقول إنه لم يكن يمثل خطرا داهما، كأنه كان رتلا يحمل باقات الزهور وليس آليات عسكرية تحمل من قوة النار ما كان يهدف إلى تدمير منازلها فوق رؤوس أهلها ويحيلها إلى كوم من الرماد.

وما حدث في بريطانيا يحدث مثله أيضا، وربما بشكل أكثر خطورة، في أروقة الحكم، في قوة عظمى مثل أميركا، لأن الموكل إليهم كتابة هذه التقارير عن البلدان العربية، ليسوا دائما من أهل النزاهة حتى وإن كانوا من أهل الخبرة، ويكفي أن نضرب مثلا بشخصية ظلت لسنوات كثيرة فاعلة في المشهد السياسي الأميركي الخاص بالشرق الأوسط، واعتماد هذه الشخصية مرجعا في كلّ ما يتصل بسياسات أميركا نحو المنطقة العربية، هو المستشرق برنارد لويس، وهو رجل معروف بميوله الصهيونية وتعصّبه لإسرائيل، وصلته الوثيقة باليمين في هذه الدولة، الذي احتفى به ومنحه أكبر الأوسمة.

ولذلك فانه يبدو مؤسفا اعتماد السياسات الأوروبية الغربية والأميركية على مثل هذه المرجعيات التي لا يمكن أن تساعد في رسم سياسات نزيهة وعادلة وقادرة على الإسهام في حل مشاكل المنطقة.

لهذا يتجدد القول في ليبيا في أن الاعتماد الأول والأخير يجب أن يكون اعتمادا على النفس، وأنه لا حلّ يمكن أن ينتظره الليبيون من غير أهل البلاد، وأهل البلاد من أصحاب الجدارة والكفاءة والقدرة على قراءة الواقع والوصول إلى صياغات تسهم في فك الأزمة، ولا إمكانية لأن يأتي الحل من الميليشيات ومن خريجي السجون الجنائية وأصحاب السوابق، الذين تسيدوا بفضل السلاح على المشهد.

وآخر تطورات المشهد الليبي هو النداء الذي أصدره عدد من أهل الثقافة، لما أسموه “مبادرة القوى الوطنية” الذي يعتمد على استنفار الجسد الثقافي وأهل الفكر وأصحاب الخبرة السياسية الذين نأوا عن المشهد السياسي خلال الفترة الماضية بسبب ما شابها من تغوّل للميليشيات وأهل السلاح وبعض السذج من الذين أفرزتهم الانتخابات رغم نزاهتها، فقد أفسدها العامل العشائري والعامل الجهوي، وكان لا بد من مبادرة مثل هذه المبادرة التي استوجبها استفحال الأزمة، وفشل المتسلطين على الحراك السياسي، في تحقيق أيّ خطوة للمصالحة، أو لإيقاف النزيف، ووضع حدّ لحالة الانحدار التي يعاني منها المجتمع.

وقد وضـع القـائمـون بالمبـادرة منهج عمـل وحددوا الأولويات التي تحتاجها المرحلة لمعالجتها، فهي كما يقول فتحي بن شتوان، أحد القائمـين على هـذه المبـادرة، لا بد من تفكيـك الأزمـة إلى مكـوناتها الأسـاسية، ومباشرة التعامل مع كل مكون منها، ليسهل بالتالي الوصول إلى حلّ لها جميعا، لأنه لا يمكن مقاربتها ككتلة من المشاكل والوصول إلى نتيجة معها بهذا الأسلوب.

كاتب ليبي

9