ليبيا.. فخ فتح مكة

الجمعة 2017/06/16

ليس ثمة من خطأ في العنوان، فهذا الفخ وقعنا فيه منذ ست سنوات خلت، حيث زعم وقتها من احتكروا قيادة إسقاط النظام في ليبيا الحقيقة والمعرفة، ووظفوا بمهارة الشعارات الدينية لنسقط في الفخ بإرادتنا، فمثلهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين.

ففي العشرين من شهر رمضان المبارك الموافق للعشرين من أغسطس 2011، صحا الليبيون على دعاية تبين بعد فوات الأوان أنها صيغت خارج الحدود، مفادها أن طرابلس ستتحرر من الطاغية في ذكرى فتح مكة، في توافق يشبه توافق شهر القرآن بشهر القيصر الروماني أغسطس الذي أحاط مناطق نفوذه بمنطقة عازلة من العملاء، وهلل المهللون وأنا منهم لهذا الشعار البراق، فقد ركزنا وقتها النظر وحصرنا التفكير في جانب واحد من القصة وهو ما تعلمناه من السيرة النبوية العطرة، حيث فتح مكة رمزية لعهد جديد وبداية جديدة تعني العفو العام، لا منتصر ولا مهزوم، ولا غالب ولا مغلوب، شعاره لا انتقام، لا شماتة، لا مصادرة للأموال الخاصة، لا انتهاك للحرمات، لا غنائم، لا سبايا، لا نهب للممتلكات العامة، لا استيفاء للحقوق بالذات، لا افتراء، لا سجون سرية، لا مساومات رخيصة، لا عقوبة دون جريمة ولا إدانة دون محاكمة عادلة نزيهة، لا تهجير، لا تشريد، لا تزر وازرة وزر أخرى، لا عقوبات جماعية، لا حصار، لا تجويع، لا قهر، لا ظلم، لا إذلال، لا ولا ولا.

مرت السنون بطيئة كئيبة لنكتشف وكعادتنا دوما أن ما حدث يومها كان “فخ مكة” وقعنا فيه وأوقعنا البلد، لنشهد فصولا من المآسي سودت صفحات التاريخ بعد أن سودت أيامنا، وبدلا من تغيير وضع الناس للأفضل أصبح الماضي بكل مآسيه وخطاياه هو الأفضل.

جلسة قصيرة لبضع دقائق تصفح خلالها موقع التاريخ السمعي البصري “يوتيوب” وضع اسم ليبيا على محرك البحث الخاص به، وستطالع فظائع وبشاعات لن تقوى على الاستمرار في مشاهدتها، فهذا شاب يتم طهيه في قدر مغلي، وذاك تحرق لحيته، وثالث تفعل به الأفاعيل، وتلك المدينة تقصف بالجراد، ونسوة يستعطفن وحوشا تجردت من كل قيمة “حرام عليكم عندكم ولايا”، وأطفال بلا طفولة، وجثث بلا رؤوس، وعائلات هائمة يوم الوقوف بعرفة يوم المرحمة على وجهها في العراء هربا من سكين الأخ والجار وابن العم والصهر. رعب هنا، وخوف هناك، وصدمة هنالك.

صدقوني أشعر بتقزز وأنا استحضر كل هذا، متسائلا فكيف سيرانا من سيأتي بعدنا؟ وبماذا سنبرر له كل هذه البشاعة؟ فما من شماعة يمكننا أن نعلق عليها ما آل إليه حال البلاد والعباد.

شعار "فتح مكة" مثال جيد لتباين كيف يتم توظيف الدين لتحقيق مآرب دنيوية دنية، ولأننا خريجو مدارس التلقين، نسمع ونطيع دونما تفكير، تربينا على أن عصا الشيخ من الجنة، والسؤال رجس من عمل الشيطان.

في رأيي إن شعار “فتح مكة” مثال جيد لتباين كيف يتم توظيف الدين والشعارات الدينية لتحقيق مآرب دنيوية دنية، ولأننا خريجو مدارس التلقين، نسمع ونطيع دونما تفكير، تربينا على أن عصا الشيخ من الجنة، والسؤال رجس من عمل الشيطان، والتفكير شك والشك مناقض للإيمان، وقعنا في الفخ، وحتى عندما اكتشفنا أننا خُدعنا منعنا كبرياء زائف والخشية من الشماتة أن ننهي اللعبة مبكرا، وقررنا الهروب إلى الأمام متعامين على حقيقة أننا نسير إلى الوراء.

لقد خرج علينا وقتها الشيوخ والعلماء المحصنين بقولهم- لا قول الله- أن لحومهم مسمومة، ومن يناقشهم فقد باء بالخسران المبين وحل عليهم غضب من الله القوي المتين، خرجوا علينا بقولهم إن دخول طرابلس هو استعادة لذكرى “فتح مكة”، وأن الله يبارك هذا الفتح، بعد أن أرسل للمؤمنين طيور الأبابيل التي تؤمن برب العالمين لتنصرهم على من؟ وقتها لم يستوقفنا هذا السؤال كان هذا هو الفخ، فقد ظننا أن شعار فتح مكة يعني فتح صفحة جديدة من التسامح والتراحم، يعني طي صفحة الماضي بحلوها ومرها والبدء في تأسيس دولة على أسس من القانون والعدل، لا فضل فيها لمواطن على آخر إلا بمقدار ما يخلص في عمله وينفع مجتمعه وينهض ببلده. ورغم أن شعار “فتح مكة” كان واضحا إلا أننا بطيبة أو سذاجة وهي الأصوب بلعنا الطعم، ففتح مكة لديهم كان يعني انتصار المسلمين على الكافرين، ففي الوقت الذي كنا نعتقد أننا جميعا مسلمون اختلفنا في إدارة شؤون الدنيا، كانوا يعتقدون أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا العصر وأننا كفار وجب إعمال السيف فينا حتى ندفع الجزية ونحن صاغرين، فاستباحوا الحرمات لأنهم لا يرون لكافر حرمة.

أذكر هنا واقعة حدثت معي سبتمبر 2011 وقد نشرت تفاصيلها بالكامل وقتها في صحيفة عروس البحر من وسط العاصمة الليبية طرابلس، فأثناء الإعلان عن تشكيل مجلس طرابلس المحلي نهاية أغسطس 2011 بفندق المهاري كنت حاضرا كصحافي أغطي الحدث، وإذ بالسيد أسامة العابد يعلن اسمي من ضمن أعضاء المجلس مسؤولا عن الإعلام والثقافة، اعتقدت أنه تشابه أسماء إلا أن الصديق والأخ الشيخ هشام سبيطة جاءني مهنئا وقال هذا أنت، وعلمت فيما بعد أنه من دفع بي لهذا المنصب.

أذكر أني أصدرت قرارا واحدا بتكليف سامي الشريف مديرا لإذاعة طرابلس، وباشر عمله، ليتصل بي في الثاني من سبتمبر يخبرني أن مسؤول الأوقاف في المجلس المحلي عبدالباسط غويلة قد أقفل الإذاعة وطرد العاملين بها.

اتصلت به ولم أجده، ثم اتصلت بالسيد عبدالرزاق بوحجر رئيس المجلس المحلي وقتها ولم يرد، ثم اتصلت بنائبه المرحوم السادات البدري وحددنا موعدا نلتقي في الصباح لحل الإشكال كما كنت واهما وقتها.

في الصباح اجتمعنا كاتب السطور والسيد بوحجر والمرحوم البدري والسيد مصطفى التاغدي والسيد غويلة، أبديت اعتراضي على قفل الإذاعة دون الرجوع إلي، ورفضت أن أكون مجرد منشف، وإذ بغويلة يتحدث بصوت خافت متصنع، أخي فتحي نحن نريد إعلاما إسلاميا، ولا نريد أمثال وجدي بوراس الصوفي يتمكنون من منابر الإسلام والمسلمين. ليعقب بوحجر بالقول، نعم لقد أطلعني الشيخ غويلة على خطته لتقديم إعلام إسلامي فيها النشيد الإسلامي والمسلسل الإسلامي والنشرة الإخبارية الإسلامية.

هنا انتفضت قائلا، وكيف ستكون النشرة إسلامية، هل نقول حضر أمير المؤمنين حفظه الله، وودع الخليفة رعاه الله، يا سادة نحن مسلمون فلماذا تتعاملون معنا ككفار؟

رد عليّ غويلة والتاغدي بالقول إنهما لن يسلما الإذاعة لمن في عقيدته شك. ووافق بوحجر على قولهما، فيما صمت السادات البدري، فكانت استقالتي مكتوبة ومسببة ثاني يوم على صفحات عروس البحر، فقد أيقنت وقتها أننا وقعنا في فخ مكة ولكن بعد فوات الأوان، وللأسف وقتها لم أسلم من هجوم أغلب من قرأ الاستقالة ممن يعدون من الأعيان والثوار وحتى الأهل والجيران، يتغامزون ويهمسون، وكان جزائي النبذ بتهمة قديمة جديدة “يبحث عن دور، طالب شهرة، ما حصل شيء، طحلب مندسّ، قبوري نجس، يريد السيطرة، يريد مقابلا ماديا”.

في يقيني اليوم أننا سنقع في فخ مكة دوما طالما لم نتخلص من الكهنوت الذي يتحكم في مصائرنا باسم الله ويحرم التفكير ويشهر في وجوهنا سيف التكفير، فنخاف أن نسأل ونخشى أن نفكر كي لا نكفر.

كاتب وصحافي ليبي

9