ليبيا.. كلما اقترب الحل السياسي عرقله الإسلاميون

تكشف متابعة الأزمة الليبية وسير المحادثات الجارية بين الفرقاء الليبيين في مدينة الصخيرات المغربية برعاية المبعوث الأممي برناردينو ليون أن الحل الذي أجمعت عليه جميع الأطراف الدولية والمتمثل في التوصل إلى حكومة وفاق وطني تجنب البلاد الانزلاق إلى أتون حرب أهلية، ما يزال محل تجاذب بين الأطراف المتحاورة.
الجمعة 2015/09/18
في ظل غياب التوافق يبقى السلاح سيد الموقف على الأرض

طرابلس - في الوقت الذي رحبت فيه أوساط دولية عديدة، من بينها الاتحاد الأوروبي، بـ“نجاح المحادثات الجارية بين الأطراف الليبية في المغرب للتوصل إلى اتفاق سياسي”، واصفة الخطوة بـ“المشجعة”، برزت أحداث ومعطيات جديدة تفيد بتعطل هذه العملية التفاوضية التي يقودها المبعوث الأممي إلى ليبيا برناردينو ليون، بسبب رفض برلمان طبرق صاحب الشرعية الدولية للتعديلات التي أُضيفت على مسودة الاتفاق بإيعاز من ممثلي المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، المحسوب على الإسلاميين، والذي يبسط سيطرته على العاصمة طرابلس بمساعدة ميليشيا فجر ليبيا الموالية له.

وكانت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني، قد قالت في بيان صحفي، بداية الأسبوع الجاري، إنّ ما وصلت إليه المفاوضات بين الأطراف الليبية المختلفة “يعدّ أمرا طيبا ومشجعا، سيساهم في إنهاء الأزمة الليبية التي طال أمدها وكثر عدد ضحاياها”. واعتبرت موغريني أنّ تشكيل حكومة وفاق وطني “أمر حاسم على صعيد بناء ليبيا سلمية ومستقرة، ومهم لإنهاء الأزمة التي تسببت في معاناة الشعب الليبي ودفعت بالبلاد إلى حافة الكارثة”.

وذكّرت بالدعم الذي قدمه الاتحاد الأوروبي والممثل الخاص للأمم المتحدة برناردينو ليون، للتوقيع على اتفاق بين الأطراف المتنازعة، مؤكدة على “ضرورة انخراط جميع المشاركين بشكل بناء في وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق خلال الأيام المقبلة، لضمان مصالح جميع الليبيين”.

وكان مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا برناردينو ليون، قد أعلن مؤخرا، عن توصل الأطراف الليبية المشاركة في الحوار الجاري منذ أشهر بمدينة الصخيرات المغربية، إلى اتفاق سياسي لإنهاء الأزمة.وأشار ليون إلى أن التوقيع على الاتفاق سيجرى في 20 سبتمبر الجاري.

الخطوة الأممية تبدو خارجة عن سياق البحث عن حل جدي وناجع خاصة أنها تفتح الباب أمام تمادي الإخوان

ووقعت أطراف ليبية، من بينها مجلس النواب، وعمداء مجالس بلدية، أبرزهم المجلس البلدي في مصراتة، بالأحرف الأولى، وثيقة الاتفاق السياسي بالصخيرات المغربية، في يوليو الماضي، غير أن المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، اعترض على مضمون تلك المسودة، وطالب بتعديلات على نصها.

لكن، وبعد أيام قليلة على تصريحات ليون، وعلى إثر تضمين التعديلات التي طالب بها ممثلو المؤتمر العام المنتهية ولايته على مسوّدة الاتفاق، أعلن برلمان طبرق المعترف به دوليا، عن رفضه لهذه الخطوة. وقال ممثلون عن الحكومة الليبية، إنهم سيسحبون فريقهم من محادثات السلام التي تدعمها الأمم المتحدة، شاكين مـن إذعان الطرف الأممي لشروط مـؤتمر طرابلس التي لا تهدف إلى إنهـاء الـصراع الدائر.

تعدّ هذه الانتكاسة لمساعي الأمم المتحدة للتوصل إلى اتفاق بـحلول 20 سبتمبر بشأن الأزمة بين حكومة طبرق، المعترف بها دوليا، وحكومة فاقدة للشرعية والتي سيطرت على العاصمة طرابلس منذ اندلع القتال العام الماضي، هـي الأحدث.

وفي الوقت الذي تقول فيه قوى غربية إن اتفاق الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة هو الحل الوحيد للصراع الذي يدفع البلاد إلى شفا انهيار اقتصادي بعد أربعة أعوام من الإطاحة بمعمر القذافي، تبدو الخطوة الأممية الأخيرة خارجة عن سياق البحث عن حل جدي وناجع، خاصة أنها تفتح الباب أمام تمادي الطرف المحسوب على الإخوان والذي يُسيطر على العاصمة طرابلس بقوة السلاح ليفرض المزيد من شروطه ويعرقل الحوار متى شاء ومتى لم تعجبه المخرجات التي تفضي إليها المناقشات.

وكانت الحكومة المعترف بها والبرلمان المنتخب اللذان يعملان من شرق ليبيا قد وافقا على اتفاق مبدئي بينما رفض فصيل طرابلس التوقيع أثناء محادثات. وقد وجدت هذه الخطوة التي أفضت إلى نقطة خلافية جديدة في مسار المفاوضات ردود أفعال متباينة بين الفرقاء الليبيين كالعادة.

برناردينو ليون: أعتقد أنه كلما اقتربنا من احتمال اتفاق نهائي كلما سنرى مواقف متشددة
واعتبر عوض عبدالصادق، رئيس وفد المؤتمر الوطني العام الليبي للحوار السياسي بالصخيرات المغربية، أن “تضمين التعديلات بطريقة إيجابية على نص الاتفاق السياسي الليبي خطوة هامة، وأنّ الاجتماعات مع بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا وسفراء الدول المشاركين بالحوار السياسي الليبي، كانت صريحة وواضحة، الأمر الذي ترتب عليه تضمين التعديلات بطريقة إيجابية”.وأضاف قائلا “وهو ما نراه خطوة هامة تتفق مع وثيقة المبادئ والثوابت، التي وقع عليها أعضاء المؤتمر الوطني”.

وقال برناندينو ليون، بدوره، إنه سلم الأطراف المشاركة في الحوار الحالي بمدينة الصخيرات المغربية، “مسودة الاتفاق النهائي التي تتضمن تعديلات على الاتفاق الذي تم توقيعه بالأحرف الأولى في يوليو الماضي وأن هذه التعديلات تمت بموافقة جميع أطراف الحوار”.

وكشف عن أن التعديلات المقترحة متعلّقة بنص الاتفاق وكذلك بالملاحق، حسب قوله. وأوضح أن التعديلات تخص المجلس الأعلى للدولة، وبعض الإجراءات الإدارية للتعيين في المناصب العليا للدولة، دون أن يكشف عن تفاصيل تلك التعديلات.

يذكر أن المبعوث الأممي أشار، خلال تصريح أطلقه الأحد الماضي، إلى أن ممثلي المؤتمر الوطني العام أمامهم مهلة بيومين يذهبون خلالها إلى طرابلس، من أجل العودة إلى مدينة الصخيرات لاقتراح الأسماء المرشحة لشغل مناصب في حكومة التوافق الوطني.

وأفاد بـ“أنه بعد يومين ستعود أطراف الحوار الوطني الليبي إلى الصخيرات لاستكمال الحوار، بمناقشة الأسماء التي ستقترحها لشغل مناصب في حكومة التوافق الوطني”.

لكن يبدو أنّ هذا الترحيب الذي بدا عليه موقف مؤتمر طرابلس المنتهية ولايته، وتلك التطمينات التي حاول أن يسوقها ليون بخصوص التعديلات، لم تجد لها صدى لدى الجانب الآخر والأهم من المفاوضات الذي يرى فيها مناورة مكشوفة وتراجعا عن اتفاقات سابقة في غير محله.

في هذا الصدد قال النائب بالبرلمان الليبي طارق الجروشي “إنّ مجلس النواب الشرعي رفض بصفة قطعية وواضحة التعديلات التي أضيفت على المسودة، كما استدعى الفريق في الصخيرات”.

معرقلات جديدة مصدرها في الغالب جناح المؤتمر الوطني في طرابلس تظهر في كل مرة يبدأ فيها الحل بالتبلور

وأكد نائب آخر بالبرلمان الليبي، خيّر عدم ذكر اسمه، استدعاء الفريق قائلا إنّ المجلس “رفض التعديلات التي أضيفت خلال الجولة الأخيرة من المحادثات لكن ليس المسودة نفسها”.

كما قال توفيق الشهيبي، وهو عضو مشارك بالحوار عن فريق المستقلين، في تصريحات لوسائل إعلام محلية ودولية، إن هناك صعوبات كبيرة تعتري الحوار الليبي الجاري الآن بالصخيرات المغربية الذي وصل إلى باب مسدود.

وأوضح الشهيبي أنّ “انهيار الحوار الليبي بدأ بعد فتح الباب لإجراء تعديلات على الاتفاق السياسي، حيث أن جميع الأطراف الليبية قد اتفقوا على إدخال التعديلات التي تقدم بها المؤتمر الوطني الليبي العام على الملاحق، وعدم إدخالها على الاتفاق السياسي”، مشيرا إلى صعوبة التوقيع على الاتفاقية يوم 20 سبتمبر الجاري.

لكن وعلى الرغم من وضوح هذا الموقف الثاني فإنّ ليون مضى في التهوين من شأن الخلافات بين الجانبين وقال إنه أمر عادي أن تحدث مثل هذه المداولات في المراحل الأخيرة من المحادثات، لكن “مازال هناك فقدان للثقة، وأعتقد أنه كلما اقتربنا من احتمال اتفاق نهائي كلما سنرى مواقف متشددة”.

وفي ظلّ هذا التعطل الذي يتسم به المسار التفاوضي بين الفرقاء الليبيين، يبدو أنّ الجماعات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يسيطر على مدينة سرت الساحلية ويسعى إلى مدّ نفوذه والتمدد في مناطق متفرقة من البلاد التي تشهد عموما حالة من الاقتتال الدموي والفوضى العارمة، تستغل حالة العطالة السياسية وتفكك أجهزة الدولة للسيطرة على البلاد.

6