ليبيا: لا بديل عن الانتصار على الإرهاب

الخميس 2014/11/06

كان لابد أن تستنفر الدول الكبرى في العالم قواها العسكرية، لمواجهة الشر والتوحش اللذين تمثلهما “الدولة الإسلامية” كما تسمي نفسها، أو “داعش” كما اشتهرت في الإعلام، وتسعى هذه الدول الكبرى بمساندة دول الإقليم إلى القضاء على هذه الدولة الطارئة التي خرجت من ثقب في التاريخ، وثقب آخر في الأرض العربية الإسلامية، وتنامت في غفلة من الأعين، وتمددت فوق مساحات شاسعة من أرض مقتطعة من سوريا والعراق ترفع فوقها راياتها السوداء، وتقوم بتنصيب أميرها، خليفة المسلمين أبوبكر البغدادي، واعتبارها في سياسة هذه الدول وفي الإعلام ولدى قطاعات عريضة من الرأي العام العالمي والإقليمي، سرطانا يجب استئصاله، قبل استشرائه في جسد العصر الحديث، وفي عالم اليوم بمشرقه ومغربه.

وهاهي داعش، تبدي صمودا ومقاومة، في مواجهة أعتى قوى العالم عتادا وأغزرها نيرانا، وتواصل تقدمها في بعض المواقع، وإذا حدث تراجع أحيانا، فهو تراجع بسيط محدود، سرعان ما يتحول إلى هجوم كاسح واكتساب أرض جديدة، وارتكاب مجازر لمن تعتبرهم أعداء دولتها، حتى لو كانت قبائل سنية مؤمنة تتبع نفس النهج الذي تسير عليه، وهي تفعل ذلك في تحد سافر لرأي عام يعاديها، وتحت كتل اللهب التي تنهمر عليها من السماء، ومواجهة باسلة لها من أهل كردستان نساء ورجالا، خرجوا لدحرها في كوباني، لكنها لا تندحر، ويتنبأ الرئيس الأميركي الذي يقود التحالف العالمي ضدها، بأنها حرب قد تطول ثلاثة أعوام، وهناك أصوات أخرى ترفع المدة إلى عشرة أعوام.

لداعش الكبرى في الشام والعراق، فرع في ليبيا، بدأ كغيره من جماعات الإسلام المتطرف، قاعديا، وانتهى بشخصية مزدوجة، قاعدية داعشية، إلا أن الجانب الداعشي، والولاء لقيادته في الموصل، ولأمير الدولة الإسلامية هناك، هو الذي يزداد ترسخا وقوة، وانتهى الأمر بهذا التنظيم الميليشياوي المسلح، بإعلان نفسه إمارة فوق الأرض الليبية، يتبع أمير المؤمنين في الموصل الخليفة البغدادي، حيث أعطاه البيعة وتعهد بأن يدين له بالولاء والطاعة.

ومعروف أن هذا التنظيم الليبي الذي يسمي نفسه أنصار الشريعة، تعود جذوره إلى الجماعة الليبية المقاتلة التي نجت من تصفيات القذافي، وخرج عناصرها من سجونه، بادعاء أنهم قاموا بمراجعة مناهجهم وفكرهم، وعدلوا عما فيها من شطط وغلو، واستأنفوا بعد الخروج من السجن رحلة الذهاب إلى تورا بورا والالتحاق برفاق لهم هناك، ربما لأنهم لا يَأْمنون على أنفسهم غضبة النظام، إلا أن رياح الثورة ضد الطغيان انطلقت لتشمل ليبيا بعد أن هبّت على تونس ومصر وأطاحت برئيسيها، فالتحق بعضهم بالثورة في أوان استعارها، وجاء أغلبهم بعد أن انتهت مرحلتها المسلحة وبعد سقوط النظام، ومازال عناصرها يفدون إلى ليبيا دون أن يكونوا كلهم ليبيين، فهم، باعتبارهم جماعة عابرة للحدود والأقاليم، لازالت مفتوحة لاستقبال المقاتلين من شتى بلاد العالم، وهذا ما صرّح به علانية قائدها الليبي، الذي يحمل ايضا اسم البغدادي، والذي خرج في الإعلام تحت الراية السوداء يقول إنه صاحب هدف نبيل شريف هو إخضاع ليبيا وشعبها لحكم الإسلام ولا حكم لسواه، فلا ديمقراطية ولا برلمانات ولا انتخابات، وأرسل عناصره يدمرون مراكز الاقتراع لانتخاب مجلس النواب لأن الديمقراطية الاقتراعية كفر ورجس من عمل الشيطان مجلوب من الغرب، وأرسل مجموعات من القتلة لتصفية قادة المجتمع المدني من المطالبين بالدولة المدنية ومن مؤيديهم من ضباط في الجيش الليبي وقضاة وأهل حراك حقوقي وغيرهم، وسار على منهج الجماعات الإرهابية التي تعتمد القتل والإجرام والترويع أسلوبا لإخضاع المحيط الاجتماعي الذي تريد فرض سيطرتها عليه.

وقد تنادى عدد من أبناء المؤسسة العسكرية في ليبيا التابعين لمختلف الأسلحة في نظام الثورة، وبعض المتقاعدين للتصدي لهذه الجماعة، بعد أن عملت تقتيلا فيهم وملاحقة لهم، وأعلنوا معركة الكرامة، لمواجهة جماعة أنصار الشريعة تحديدا، وهي المعركة التي جاءت تعبيرا عن إرادة أهل الجزء الشرقي من ليبيا الذين ضجوا من جرائم هؤلاء الدواعش وأهل التطرف، وقد جاء أخيرا، الحراك السياسي القيادي الشرعي متمثلا في مجلس النواب والحكومة المؤقتة، ليتبنى موقف الكرامة وإعطاء الشرعية لكل العناصر التي انضوت تحتها، والإذن لها بأن تباشر هذه الحرب تحت قيادة قائد الأركان الفريق الناظوري، وبمساعدة اللواء خليفة حفتر الذي كان أول من استنفر الجيش الليبي لخوض المعركة ونظم الصفوف وأقام مراكز التدريب.

هناك اختلاف بين المعركة ضد الفرع الداعشي في ليبيا، وبين المعركة ضد الأصل في بلاد الشام والعراق، ففي حين يخوض الحرب ضد داعش الأصل، تحالف عالمي يضم أقوى الجيوش في العالم، فإن ليبيا ونظامها الجديد وجيشها الذي خرج منهكا من حرب ضروس، تركها العالم تخوض الحرب بمفردها لا عون ولا شركاء لها في الحرب ولا تحالف عالميا وإقليميا، بل بالعكس من ذلك، هناك دعاوى تصدر من بعض الأطراف تندد بالحرب التي يخوضها الجيش، وتدعو للسلام والحوار، وبعض من يقولون هذا الكلام أطراف في التحالف العالمي، ولا أحد يعلم لماذا لا يقولون هذا الكلام لأنفسهم، يستعيضون بلغة النار مع داعش، لغة الحوار، واستتباب السلام والجلوس على طاولة المفاوضات مع الخليفة البغدادي.

المفارقة التي تجعلنا على ثقة من أن الجيش الليبي سوف يحسم المعركة مع الإرهاب لصالحه، وسوف ينجح في تثبيت أركان الدولة الشرعية في ليبيا، دولة القانون والدستور والاحتكام إلى صندوق الاقتراع، هو أنه يسجل كل يوم انتصارات جديدة في المنازلة مع الإرهاب، في حين مازال التحالف الدولي لا يستطيع ردع الجيش الداعشي عن كوباني حتى بضعة أميال. وليست ليبيا وحدها من ستنتصر على الإرهاب، ولكن العالم كله لابد أن ينتصر، كما انتصر سابقا على أوبئة كادت تحصد البشرية، وانتهت اليوم من فوق الأرض، نعم لا بديل عن الانتصار على الإرهاب لأنه مناقض لطبيعة البشر ومناقض لأسس الحياة والنماء كما أراد لها الله أن تكون.


كاتب ليبي

9