ليبيا: لا تطفئوا شعاع النور

الخميس 2014/07/10

ارتفعت أصوات كثيرة في الحراك السياسي وممثلي المجتمع المدني في ليبيا تبدي شديد قلقها من تأجيل الإعلان على النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب، ومما أعلنته المفوضية العليا للانتخابات من مراجعات شملت عددا كبيرا من المراكز الانتخابية، وكان الناشط السياسي المعروف، الأستاذ محمد بويصير، قد أبدى خوفه مما تناهي إلى مسامعه من أن هناك نية لتأجيل الإعلان عن نتائج الانتخابات، لا لأسباب فنية تتصل بإحصاء الأصوات، وإنما- كما قـال في صفحتـه على الفيسبوك- لصالح جماعة سياسية لديها أجندات تريد تحقيقها، من خلال هذا التأجيل. وتحدث في صفحته عما أسماه «التسويد» وهي طريقة يتم استخدامها في التمويه والتزييف والتلاعب بالبطاقات الانتخابية.

كما عبر آخرون عن النية المبيتة لتنحية بعض الناجحين، وتعويضهم بعناصر تم تجهيزها وإعدادها لتحتل المرتبة الثانية، ذات اتجاه سياسي معين، لتقوم بتعويض التراجع في التأييد الشعبي لهذا الاتجاه السياسي، وخشيته من أن يفقد تسيده للمشهد الليبي، وانحسار نفوذه، وقلة ممثليه في مجلس النـواب، وبالتالي انحسار نفوذه في الحكومـة والأجهـزة التنفيذيـة، التي كان قد بدأ في زرع عناصره وكوادره فيها، عبر التشكـيلات الوزارية الماضيـة، التي سخرها لتنفيذ خطته في احتلال مفاصل الدولة، وأنا هنا لا أنقل هذه الأقوال تصديقا لها، أو اقتناعا بحقيقة وجود نية مبيتة للتـلاعب بنتائج الانتخابـات، وتعويض الخسائر التي بدا واضحا أن تيارا سياسيا قد فقد مواقعه فيها، وأتمنى أن تكون المفوضية الوطنية العليا للانتخابات التي أدارت انتخابات نزيهة في مرتين سابقتين، قادرة على أن تواصل نزاهتها، ومنع التلاعب من عناصر تنتمي إليها في هذه الانتخابات أيضا.

كما أنني أتساءل كيف يمكن الحديث عن تلاعب مع وجود رقابة عربية ودولية، وأخرى محلية من المجتمع المدني الليبي، ولكن الرد يأتي بأن هناك تجارب في بلدان أخرى تقول إن التلاعب والتزييف كان واردين فيها، رغم الأعين الرقابية والمتابعة الإعلامية والدولية وغيرها.

وما دعاني إلى إثارة هذه المخاوف هو مجرد التحذير ودق نواقيس الخطر، والتعبير عن الأمل ألا نرى شيئا كهذا يحدث، أو نفكر في احتمال حدوثه، لأنه سيكون كارثة وطنية بكل المقاييس، فقد رأينا انحرافا مؤسفا ومؤلما لمسيرة الثورة، وتراجعا عن الزخم الذي بدأت به عند تفجرها وتحقيق انتصارها في المنازلة مع نظام الاستبداد، وارتفعت الآمال إلى ذرى عالية عندما تحقق إعلان التحرير، وبدأ الاستعداد لانتخابات المجلس الوطني العام والحكومات الانتقالية، ولكن هذا المجلس كان صدمة لآمال الليبيين بكل المقاييس، وقاد التراجع والانتكاس إلى أن وصل إلى أسفل درك من سوء الإدارة وسوء التدبير وسوء التفكير، وساهم في تسيّد التيار الإسلامي المتطرف، والميليشيات المسلحة ذات المنحى الفوضوي، الذي لا يقيم اعتبارا للدولة ولا يخضع للقانون وينتهك الحقوق ويتجاسر على كل القيم والشرائع والنواميس.

لقد أدخل هذا المجلس المقيت البلاد في دوامة من العنف وغياب القانون، وبفضله ازدادت وتيرة القتل للأبرياء، وتهريب أموال الشعب الليبي لجماعات إرهابية في شتى بقاع العالم، واستجلاب عناصر الإرهاب والتطرف، لتكون ليبيا هي المرفأ الآمن لها، تمارس التهريب سلاحا وأموالا وحشيشا، بلا ضابط ولا حسيب ولا رقيب، بفضل ما أضفاه المجلس من شرعية على هذه الجماعات المسلحة، التي تضم بين عناصرها مجرمين من أصحاب السوابق الجنائية، وممن أخرجهم النظام السابق من السجون للاستعانة بهم في قهر الثوار، فصاروا بفضل الانحراف الذي أصاب مسيرة الثورة، أسياد المشهد وأصحاب القرار في الدولة الليبية.

وخرجت المسيرات الحاشدة من أبناء ليبيا في كل الحواضر والقرى، ولعدد لا يحصى من المرات تطالب بإزالة هذا المؤتمر، وطرده من موقع القيادة في الحراك السياسي، وتحت الضغوط الشعبية المستمرة، تم تحديد موعد مبكر لانتخاب مجلس نواب جديد، يتولى إكمال خارطة الطريق الخاصة بتأسيس الدولة الليبية واستكمال أركانها، والانتقال بالبلاد من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، ومن المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الثبات والاستمرار، وبناء المؤسسات الدستورية الدائمة، وتعلقت قلوب وأبصار الليبيين بهذا الاستحقـاق الانتخابي، باعتبـاره طـريق الخـلاص، وأمـل الليبيـين في تصحيح المسار، وإنهاء الانحراف، والعودة بالثورة الليبية إلى مسارها السليم، وطريقها الذي يفضي إلى النهضة والتقدم والنماء وسيـادة القانون والأمن والعدل والمساواة.

ولهذا فإن أي عبث بهذا المجلس، أو تحايل كما حصل مع المجلس السابق، لأخذه في مسارات مناقضة لما يريده الناس، وأي محاولة لتزييف إرادة الشعب، إنما هي خيانة عظمى لا تضاهيها خيانة أخرى، لأنها خيانة تقضي تماما على فرص الإصلاح، وتقضي تماما على أمل الإنقاذ والخلاص، وتقضي تماما على جهد الليبيين في الخروج من عنق الزجاجة، والانتهاء من مأزق التطرف والدم والمتاجرة بأرواح الليبيين.

الشعب الليبي لن يتساهل هذه المرة مع اختطاف هذا المجلس إلى كهوف تورا بورا وأرض الصومال وبلاد قندهار والقاعدة وطالبان والمجاهدين الأفغان. يريدونه مجلسا على مقاس طموحهم كما انتخبوه، وكما علقوا الآمال عليه أن يكون، أي طريقهم لبناء الدولة المدنية العصرية الدستورية، مثل بلاد العالم المتقدم.

يريدون أن تسخر ثروة ليبيا لبناء بلادهم، وتعليم أولادهم، وإنشاء مستشفيات لمرضاهم، وتقديم خدمات راقية في العلم والثقافة والزراعة والصحة والمواصلات والاتصالات لأهلهم، تتفق ومستوى الدخل الكبير لبلادهم، لا أن تصبح أموالهم نهبا لكل من هب ودب بحجة ما يروجه أهل التطرف السياسي من أنها بيت مال المسلمين. فأهل ليبيا أولى بالمعروف وأهل الثروة أولى بها من غيرهم، ولأبناء وبنات هذا الوطن حق أن يعيشوا الحياة العصرية الكريمة، والمستوى المعيشي المرتفع، الذي يعيشه أمثالهم في دول الرفاهية والدخول العالية.

فحذار حذار، لمن يريدون التلاعب بهذا الإنجاز الانتخـابي النيـابي، وأخذه من سياقـه إلى سياقات مذمومـة، وزواريب معتمـة مظلمة. إنـه بارقـة الأمل وشعاع النور، الذي لاح بعد عسر وكرب وبلاء، فلا نريد لأحد أن يطفئ جذوة هذا السراج الذي نأمل أن يضيء ليل بلادنا، ولا نريد لأحد أن يقوم باختطافه كما حصل مع المؤتمر الماضي، والشعب سيكون بإذن الله بالمرصاد لكل خائن عميل، أعمى الله بصيرته، وانتصرت عوامل الشر في نفسه، فجاء يريد تزييف إرادة الناس، والانحراف بهذا المجلـس عن أهدافه، كما فعل مجرمو المجلس السابق.

لن يحدث هذا، فقد تعلم أهلنا الدرس، وسيرتد كيد الكائدين إلى نحورهم، ويولون مدحورين خاسرين تلاحقهم اللعنات.


كاتب ليبي

9