ليبيا.. لا حل يأتي من فيينا

الأربعاء 2016/05/18

شهدت العاصمة النمساوية فيينا، ابتداء من الاثنين الماضي مؤتمرا دوليا حول ليبيا، بمشاركة وزراء خارجية 20 دولة كبرى وأخرى من دول الإقليم، وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية. مؤتمر أكد على ثوابت المجتمع الدولي في دعمه لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، واتخاذ عدد من الإجراءات التي تساعد على تسهيل مهمتها، ومن بينها رفع الحظر على تسليح القوات الموالية لها، واعتبار المجلس الرئاسي الجهة الوحيدة المسؤولة عن السلاح، كما يقصر اعترافه بها والتعامل معها دون غيرها، ويدعو المجلس لممارسة صلاحية قائد المؤسسة العسكرية، وسيقوم بدعمه اقتصاديا، لحلحلة الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تعيشها البلاد، وإخضاع المناوئين للحل السلمي للعقوبات الدولية.

هذا مجمل ما حدث في مؤتمر فيينا، على ساحة العمل الدولي الخارجي، وبرغم ما حمله من أنباء سارة لحكومة الوفاق الوطني ومناصريها، إلا أنه للأسف الشديد لا يقدم حلا للأزمة الليبية، ولا يخرجها من عنق الزجاجة، ولا يوقف النزيف الذي تعيشه البلاد على مستوى إهدار الدماء البريئة، وانهيار الحالة الأمنية، وانتهاك الحدود الليبية، ولا يبعد شبح الاشتباكات المسلحة بين أطراف النزاع في ليبيا، ولا يحقق ما يرجوه المجتمع الدولي، من قضاء على تنظيم داعش الإرهابي، وإيقاف الهجرة غير الشرعية، والحيلولة دون تحول ليبيا إلى أرض مستباحة من قبل عصابات التهريب سلاحا ومالا وإرهابا، واتخاذها قاعدة انطلاق لهذه العصابات، في تصدير الإجرام والإرهاب، إلى دول الجوار، وإلى الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط.

لا نقصد بهذا الكلام استهتارا بقوة المجتمع الدولي، والبلدان الفاعلة فيه، ذات النفوذ الواسع العريض، مثل الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ممن كانت حاضرة في هذا الاجتماع، لأنه لا وجود لدولة في العالم، تستطيع أن تدير أمورها بمعزل عن هذه القوى، أو بالاستغناء عن التعاون معها، والتنسيق في مجال السياسة الخارجية مع منظماتها وأجهزتها. ولكن هذا الدعم الدولي لحكومة الوفاق الوطني لن يؤتي ثماره ونتائجه إلا إذا اكتمل وتحقق مع واقع محلي قادر على التجاوب والتفاعل معه، والاستفادة مما يطرحه من عون ومساعدة، وما يقترحه من حلول للأزمات التي تعيشها البلاد، عسكرية واقتصادية واجتماعية وسياسية. وللأسف فإن الواقع المحلي في ليبيا والأطراف الفاعلة فيه ما زالت في حالة من التشظي والدوران في دوائر مغلقة، بعضها له طابعه العشائري أو المناطقي أو الأيديولوجي أو المحكوم بمصالح ذاتية.

وقد رأينا بعض الممثلين لأطراف تعارض حكومة الوفاق، يتكلمون في وسائل الإعلام ضد نتائج مؤتمر فيينا، ويرون في مخرجات هذا المؤتمر ما يزيد ليبيا انقساما، كما قال العضو في مجلس النواب، أبوبكر بعيرة، أن ما حدث من رفع لحظر السلاح لا يخدم الأهداف الليبية الوطنية، ولا يحقق الغرض الذي استهدفه الليبيون المطالبون برفع الحظر، لأنهم جاءوا يرفعونه، كما يقول، عن الميليشيات الموجودة في طرابلس، التي يتشكل منها ما أسماه المجلس الرئاسي “الحرس الوطني”، ولا يرفعه عن الجيش الوطني الذي يحارب الإرهاب وقدم التضحيات الجسام لطرد العناصر الإرهابية من معاقلها في بنغازي وأجدابيا.

ولكي نكون منصفين للأطراف التي تعارض حكومة الوفاق الوطني، فإن بعضا منها لديه تحفظاته على الاتفاق، وله اعتراضاته على المجلس الرئاسي وحكومته المقترحة، وله تحفظاته الشديدة على الدعم الدولي نفسه، من منطلق وطني، ويراه ومنذ بداياته على يد الممثل المنتدب من الأمين العام الوزير اللبناني الأسبق طارق متري، ومن بعده الأسباني برناردينو ليون، ثم الألماني مارتن كوبلر، وصولا إلى مؤتمر فيينا، وما سبقته من مؤتمرات، كان التحيز للإسلام السياسي الذي يراهن عليه الغرب ظاهرا، ويراه الحصان الرابح في ثورات الربيع العربي، رغم تراجع شعبية الإسلام السياسي في أغلب البلدان العربية، بل وتراجع شعبيته الضئيلة، أساسا، في ليبيا، إلا أن هناك قوى غربية، ما زالت تراه الحليف الجدير بالمناصرة والتأييد، ولو على حساب القيم الديمقراطية وصناديق الاقتراع. ويتخذون دليلا على هذه المناصرة أن الجماعات المسلحة التابعة للتنظيمات الإسلامية في ليبيا، وبينها تنظيم الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، بالتحالف مع ألوان إسلامية أخرى تتزعم ميليشيات مصراتة، هي التي قامت بانقلابها الشهير على الشرعية في طرابلس، واحتلت العاصمة، وأطردت الحكومة، كما أطردت مجلس النواب، ومع ذلك فهي تلقى الترحيب من المجتمع الدولي، الذي أشركها في كل المفاوضات التي أشرف عليها، وكافأها على انقلابها، بأن جعل لها السيادة على المشهد السياسي الذي نراه اليوم في طرابلس.

إن الحالة المتردية التي يعيشها الليبيون تدفعهم للتطلع برجاء إلى المجتمع الدولي ومؤتمراته الحاشدة، الحافلة بعلية القوم، بأمل أن تحقق لهم الحل، وآخر هذه المؤتمرات التي شهدت ترحيبا وحماسا من الكثير من الليببيين على مواقع التواصل الاجتماعي مؤتمر فيينا، إلا أنه مثل مؤتمرات دولية كثيرة شهدتها عواصم الغرب والشرق من أجل ليبيا، لن يحقق هذا الحل الذي ينتظره الليبيون، لأنه حل يجب أن يأتي من الداخل، ولا إمكانية لأن يأتي إلا من قلب الأرض الليبية ومن أبنائها، لأنهم هم أصحاب المشكلة، وهم صانعوها، وهم وحدهم من بيدهم الحل.

كاتب ليبي

9