ليبيا: لا سلام ولا أمان في ظل الميليشيات

الخميس 2016/09/08

مرحبا بالأخبار التي تنقل إلى الليبيين بشرى هزيمة تنظيم التوحش الداعشي في سرت، الذي غدا أمرا واقعا، وأهلا بالزيارة التي تؤكد هذه الحقيقة التي قام بها فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، وبعض رفاقه إلى قاعة واغادوغو، التي اتخذها التنظيم الإرهابي مقرا لقيادته في ما سبق، إلا أنه لا بد من القول إن هذا الانتصار مهما كان سببا للفرح والاحتفال، فإنه لن يحمل السلام والاستقرار إلى ليبيا، وأن الشعب لن يرى نتائج لهذا الانتصار أو ينعكس عليه خيرا وهناء وأمانا، حتى لو تحقق بعده، أو بسببه، ما يسعى الكثيرون، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، من مصالحة بين الأطراف المتنازعة، أو بين المجلس الرئاسي والمناوئين له، إلا بإنهاء عهد الميليشيات التي مازالت تصول وتجول في طول البلاد وعرضها، وتحول بعضها إلى نوع من المافيا المحلية التي تغولت في إجرامها، وتزداد في كل يوم وتيرة الأعمال الإجرامية التي تقوم بها سطوا وخطفا وقتلا.

ونريد أن نفرق هنا بين هذه الميليشيات المافيوزية، وتحالف الميليشيات التي انتظمت في قوة عسكرية، أخذت اسم “البنيان المرصوص”، وتولت المنازلة مع تنظيم داعش وكان لها الفضل في دحر الخطر الداعشي في المنطقة الوسطى من البلاد.

ونضيف أيضا أننا لن نشارك بعض الناس في طعنهم الذي نقلته وسائل الإعلام، ولن نردد ما ردده الناطق العسكري للجيش الليبي السيد أحمد المسماري من شكه في تمرد هذا التحالف الميليشياوي على حكومة الوفاق بعد هذا النصر، والكشف عن هوية الإسلام السياسي التي يحملها ويقول إنها أقرب إلى التشدد، وإنما نقول إن الاختبار الكبير، والتحدي الذي ينتظر البنيان المرصوص، بعد هذا الإنجاز المجيد، هو أن نرى مجموعاته المسلحة، قد تخلت عن طبيعتها الميليشياوية وتحولت إلى جيش نظامي، يستطيع أن يلتحم مع الجيش النظامي في شرق البلاد، من أجل مصلحة الوطن العليا، ويؤسس للوطن، قاعدة عسكرية وأمنية، يبدأ بها تدشين الدولة الجديدة ومؤسساتها الدستورية الدائمة والثابتة.

نعم هناك في البلاد ميليشيات أخرى، لم تلتحق بالبنيان المرصوص، وبعضها ظل مناوئا للمجلس الرئاسي، ويعمل خارج سلطته، ومن بين هذه الميليشيات التي بلغت في ما سبق عدد أربعين ميليشيا، ما تحول إلى الإجرام، لا عمل له إلا ارتكاب أكثر الأعمال والممارسات توحشا وبشاعة، وصار حكمها في هذا السياق حكم التنظيم الداعشي، ولكن المعركة لدحرها ستكون أهون من المعركة ضد داعش، وإذا تحقق ما نرجوه من تحول البنيان المرصوص إلى جيش نظامي، ودخل في صيغة من صيغ الدمج والتوحيد مع الجيش الليبي في شرق البلاد، فسيصبح سهلا القضاء على مختلف ميليشيات الإجرام “القزمية” التي لم تتغول في إجرامها إلا بسبب الفراغ الذي جاء نتيجة غياب المؤسسة العسكرية الفاعلة والمؤسسة الأمنية الناجعة.

هذه هي أولوية الأولويات، وأخطر وأكبر أهداف هذه المرحلة إذا أردنا للجهود المبذولة لإخراج ليبيا من أزمتها، وهي إنهاء العهد الميليشياوي، وتفكيك كل جماعة مسلحة لا تنخرط في تراتبية الجيش ونظامه والخضوع لقوانينه وأحكامه، واستلام الدولة لكل قطعة سلاح ما تزال موجودة خارج سلطتها، لأنه من دون إنجاز هذا الهدف، لا انفراج للأزمات ولا أمل للبلاد في أن تنعم بشيء من الهناء والاستقرار والسلام والأمان، ولا وجود لفرصة لشعب يعيش فوق بحيرة من النفط تجعل البلاد تاسع دولة منتجة للنفط في العالم، لأن يستمتع بثرواته أو يستثمر موارده البشرية، أو أن يصل أهل العلم والخبرة والكفاءة والجدارة إلى إدارة البلاد، بل ستبقى ليبيا – في حالة عدم القضاء على فوضى الميليشيات- تدور في هذه الحلقة المفرغة من حكم البلطجة والعصابات ممن اختطفوا البلاد بالمغالبة وقوة السلاح، رغم وجود واجهات سياسية كرتونية ستظل فاقدة الفعالية، ولا تملك من حكم البلاد شيئا، في مناخ سياسي وعسكري وأمني تسيطر عليه جماعات مسلحة لا تحتكم لأي سلطة عليا ولا قانون.

لا أريد أن أفسد فرحة الحراك السياسي في طرابلس ولا أن أقلل من حجم إنجازه ولا حقه في الافتخار بورقة الانتصار على تنظيم داعش الذي داخ العالم في مناطق أخرى بتحالفاته الدولية في هزيمته، ولكن تنظيم داعش ليس إلا جزءا من المشكلة التي لا حل لها إلا بالتعامل مع كل أسبابها تعاملا يحقق إخراج الشعب من مأساته المعيشية، ومن حالة التردي الأمني التي يعيش فيها، وفقدان الهدف والطريق، والثقة في المستقبل، بل إن داعش نفسه، الذي انتهى من منطقة سرت، لا أمان ولا ضمان في ظل هذه الانهيارات الأمنية ووجود هذه الكميات المهولة من الأسلحة خارج نطاق الدولة، وتردي الحالة المعيشية للمواطنين، وغياب الأمن والسلطة، لا أمان ولا ضمان في ألا نراه قد انتقل إلى مركز جديد وأنشأ لنفسه قاعدة في الجنوب الليبي الذي هرب إليه.

وقد يكون قد التحم بفلول أخرى تابعة له أو لتنظيمات متطرفة متوحشة مثله، بل هناك من يقول إن وجود تنظيم داعش في أقصى الجنوب قد يدفعه إلى البحث عن مدد ودعم يأتيه من جماعة بوكو حرام التي تسيطر على مناطق واسعة في العمق الأفريقي، فهذا كله جائز، إن لم نر في ليبيا حالة استنفار تتضافر فيها جهود الحراك السياسي الليبي شرقا وغربا، مع المجتمع الدولي، ومع الفاعلين في المنطقة العربية والمحيط الإقليمي، لدرء الخطر وتأمين كامل التراب الليبي بإيجاد صيغة لإنهاء الوضع الميليشياوي والسيطرة على السلاح، ليكون هذا العمل مدخلا حقيقيا لانتصار ليبيا على أزماتها، ومرحلة أولى تدلف عبرها إلى بناء الدولة الجديدة التي يسودها الأمان والسلام والاستقرار.

كاتب ليبي

8