ليبيا: لكي لا يخبو الأمل

الخميس 2016/01/07

يدخل العالم عاما جديدا، يتطلع إليه بأمل بأن يكون أفضل من العام الماضي، الذي شهد امتدادا لدولة الإرهاب والتطرف والجريمة، المسماة داعش، وارتفاعا لوتيرة النزاعات المسلحة، أغلبها حروب أهلية بين أطراف داخل الوطن الواحد، ومن بين هذه الأقطار دولة ليبيا، التي تحقق لها في نهاية العام الماضي، ما لم يتحقق لغيرها من أقطار عربية تعيش ظروفا مشابهة، مثل سوريا واليمن.

إذ توصلت البعثة الأممية، القائمة بأعمال الوساطة في ليبيا، إلى تحقيق إنجاز كبير، هو توقيع المصالحة بين الأطراف المتنازعة في منطقة الصخيرات بالمملكة المغربية، وإقرار المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة الوطنية، بعد عام ونصف العام من المفاوضات، والمسارات الحوارية التي شملت أطرافا داخل الصراع، وأخرى على هامش الصراع، مثل المجالس البلدية ومؤسسات المجتمع المدني وقطاعات شبابية وحقوقية ونسائية، وجماعات الحراك الشعبي من مجالس الحكماء وشيوخ القبائل والعشائر، علاوة على مسارات أمنية وعسكرية. وليس غريبا أن يلقى الاتفاق ترحيبا من كامل شرائح الشعب الليبي، ويلقى مناصرة من المجتمع الدولي، وإجماعا غير مسبوق من القوى الدولية، على دعمه وإقراره والاستعداد لمنحه كل مؤهلات النجاح والبقاء، عدا قلة داخل ليبيا أبدت بعض التحفظات، وأخرى عارضت معارضة شابتها العصبية والتشدد، نتيجة خوف هذه القلة من فقدان امتيازاتها.

وكان الاتفاق علامة على أن مرحلة جديدة تدخلها البلاد، مع بداية العام الجديد، وطي صفحة مؤلمة عاشها الشعب الليبي، خلال السنوات التي أعقبت الإطاحة بنظام القذافي، وهي المرحلة التي شهدت إفراغا لمناطق ومدن من أهلها، وتهجيرهم إلى أرض الشتات، وعمليات إرهابية، وانهيار الأمن في كافة أنحاء البلاد، كما شهدت انحدارا في مستوى المعيشة وتعطيلا لمصادر الدخل وشللا للحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية، وانتشارا خطيرا للوحش الداعشي الذي احتل عددا من المناطق الاستراتيجية.

جاء اتفاق الصخيرات ليقول للعالم، إن أهل البلاد، قادرون على إنقاذ بلادهم ليبيا من أزمتها، والدخول في كلمة سواء، تحقق لهم ولأهلهم الخلاص المنشود. ويستطيع أي مراقب، إدراك أن هناك إجماعا في ليبيا على الترحيب بهذا الاتفاق، وهو ما قاله المندوب الأممي مارتن كوبلر، ولم يقله من فراغ وإنما من تواصل مع كل فئات الشعب في مختلف مناطق البلاد، ليس باعتباره حلا مثاليا وإنما لاستشعار الليبيين جميعا، بأنه الحل المتاح في هذه المرحلة لإيقاف الانهيار وبداية السير باتجاه الإصلاح وتأسيس الدولة.

إلا أن الزخم الذي بدأت به حكومة الوحدة الوطنية، والقوة التي امتلكتها في مستهل إنشائها، شهدا في الأيام الأخيرة تراجعا وبطءا في الحركة، بسبب المعارضة التي أبدتها فئة ضئيلة من الشعب الليبي، لا لشيء إلا لأنها تملك بعض الميليشيات، وتستخدم منطق القوة في التعامل مع العملية السلمية، وتحاول إفساد الاتفاق، لأنها ترى فيه تهديدا لسلطتها وإزاحة لها من المشهد، باعتبارها جاءت من خارج الشرعية، ومن خارج السياق الديمقراطي، وتتشبث بالبقاء حتى بعد إقرار التوافق، والوصول إلى سلطة مخولة شعبيا وقانونيا ودوليا بإدارة مقدرات البلاد.

ولا بد من الاعتراف بالبراعة التي عالج بها مارتن كوبلر هذا الملف والحنكة التي تعامل بها مع الموقف المتوتر الناجم عن هذه العراقيل التي أثارتها بعض الجماعات في وجه حكومة الوفاق الوطني، واستخدامه للدبلوماسية الهادئة في مخاطبة هذه الجماعات، وفك ما زرعته من ألغام في طريق المصالحة، إلا أن جهوده، للأسف، لم تكلل بالنجاح الكامل، فقد أفلح في إزالة التحفظات التي أبداها بعض أهل المشرق الليبي، والتي انحاز لها رئيس البرلمان الشرعي نفسه، واستطاع المندوب الأممي أن يعلن أنه توصل إلى أخذ الموافقة على الحكومة وعلى المصالحة مع هذا الطرف، إلا أنه مع أطراف أخرى لم يجد إلا أذنا من طين وأذنا من عجين، مما يهدد بأن الحكومة التي فازت بأصوات الأغلبية في المجلسين، النواب والمؤتمر الوطني العام، والتي سيتم إقرارها من تحت قبة البرلمان، قد تواجه صعوبة في مباشرة عملها من العاصمة طرابلس.

ولن تكون بداية موفقة لحكومة الوفاق، أن تباشر عملها من إحدى القرى في شرق البلاد أو جنوبها، كما تقترح بعض الأصوات، لأنها عندئذ لن تكون سلطة وحدة وطنية، وستقع البلاد في ازدواجية بين حكومة يعترف بها العالم تملك ولا تحكم، وأخرى في طرابلس تملك وتحكم. ولعل التفكير الرائج في الأوساط السياسية بأن مجلس الأمن الذي صادق على الحكومة، والهيئة الأممية التي يباشر مندوبها العمل للتمكين لها، قد استخدما الجزرة إلى حدودها القصوى مع هذا الطرف، ولم يعد هناك مجال لغير استعمال العصا ضد كل المعادين للمصالحة، والتعامل معهم باعتبارهم قوى تقف في طريق المسار الديمقراطي، ووجب تطبيق العقوبات المنصوص عليها في مثل هذه الحالات، بحيث نرى إحالة أسماء إلى محكمة الجنايات الدولية، وصدور مذكرات قبض بشأنهم، وربما اللجوء إلى قوات أممية من القبعات الزرقاء ترافق دخول الحكومة إلى طرابلس، وتأمين بيئة صالحة للعمل وبسط سلطاتها على كافة أرجاء الوطن.

كاتب ليبي

9