ليبيا: لكي لا يضيع الوطن

الخميس 2015/11/05

المعركة بين الخير والشر معركة أزلية، بدأت منذ بدء الحياة البشرية فوق الأرض، ولن تنتهي إلا بانتهائها، وخلق الله قوة منذورة للشر والدمار وجلب الضرر والبلاء، هي الشيطان، وأعطاه رخصة أبدية سرمدية، لأداء مهمته الإبليسية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، باعتبار أن الحياة الدنيا ليست مكانا للسعادة مثل فراديس السماء، وإنما دار اختبار وكدح “أيها الانسان، إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه”، وبالمقابل فقد أعطى الله الإنسان أمانة العقل، وهي الأمانة التي عرضها الله على “السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”، ولا وجود في الكون لعبقرية غير عبقرية النص الإلهي، يمكن أن تجعل الذم والتعزير، اللذين حملتهما كلمتا “ظلوما جهولا”، تحملان أكبر معاني التبجيل والإكبار، وهما وسامان يضعهما الخالق العظيم على جبين الكائن البشري.

وإذا كان في هذا الكلام شيء من البديهيات، فإننا نحتاج للتذكير به إلى أن الإنسان ينسى، وربما حقا ما يقال بأنه ما سمي الإنسان إنسانا إلا لنسيانه، وأعتقد أنه تتجلى في الحالة الليبية منذ أن تفجرت ثورة 17 فبراير ضد نظام الطغيان، صور كثيرة من صور الصراع بين الخير والشر، في أكثر حالاتها وضوحا وقوة في التعبير والبلاغة، وكان مؤسفا أن هذه الثورة التي أظهرت المعدن الأصيل للشعب الليبي، وسالت فيها دماء الشهادة زكية طاهرة، بكرم وسخاء، تسفر نتائجها عن هذا الوجه الذي ظهر مليئا بالندوب والتشوهات والقبح.

وفي حين كان الشعب الليبي يتطلع إلى بناء دولة مدنية تزدهر فيها الحريات، وينتهي فيها القمع الذي كان سائدا على مدى أربعة عقود ونيف، وينعم فيها المواطن بخيرات بلاده التي كان معمر القذافي يهدرها على الإرهاب والجماعات المارقة في العالم أجمع، عشية أن تحقق التحرير وتقوض النظام الاستبدادي وتوجت المعركة ضده بالنصر، كانت قوى شريرة تسيطر على البلاد، وتدخل في دوامة من العنف والإجرام، والتسلط وحكم العصابات المسلحة، التي فتحت الباب فيما بعد للعائدين من أفغانستان يؤسسون قاعدة للقاعدة، ويدعون رفاقا لهم من أهل التطرف، ويلحق بهم فريق آخر أكثر تشددا يؤسس داعش، وتصبح البلاد أرضا مفتوحة، لعصابات أخرى محلية ودولية، لا تقتصر على الإرهاب الديني والسياسي، وإنما تضم عصابات تتاجر بالبشر والسلاح والمخدرات.

خمس سنوات من الاحتراب والفوضي وغياب القانون والتهجير القسري، عاشها الشعب الليبي وهو ينتظر أن يرى نهاية لآلامه ومعاناته، إلى أن استفحلت الحالة الليبية استفحالا كبيرا وأصبحت مصدر توتر وقلق لشعوب العالم، وشرور كثيرة تفيض على دول الجوار، وتصل إلى دول أوروبا، التي تطل على البحر الأبيض المتوسط في ضفته الشمالية، هنا ارتفعت الضغوط الدولية وازدادت وتيرة المساعي التي بذلتها البعثة الأممية، ودول الجوار العربي، ودول الاتحاد الأوروبي، من أجل أن يصل الليبيون إلى مصالحة تضمن إيقافا لحالة الفوضى العارمة التي تعيشها البلاد.

هناك الآن حل معروض على الطاولة، توصلت إليه الأطراف الليبية بقيادة المندوب الأممي برناردينو ليون، وهو الآن في نهاية ولايته، ويأمل أن يصل إلى إقرار الوثيقة النهائية للمفاوضات التي قادها، وحكومة الوحدة الوطنية التي انتهى إليها الحوار، قبل أن يسلم ملفات الأزمة الليبية إلى خليفته الألماني كوبلر.

ليون نفسه يقول إن هناك توافقا من كل الأطراف على مخرجات الحوار، على الأقل من حيث المبدأ، ولا وجود لاختلافات جوهرية، وإنما تعديل بسيط في بعض المسائل الشكلية والإجرائية، وهو قول له ما يبرره، وأيدته تصريحات لمتكلمين باسم الكيانات السياسية الليبية مثل البرلمان وجماعة فجر ليبيا والحراك السياسي في مصراتة وأغلبية المنتمين إلى المؤتمر الوطني العام السابق.

نعم، هناك تيار قوي يؤيد الوصول إلى اتفاق يخرج البلاد من أزمتها، ويضعها على طريق المصالحة وبناء المؤسسات، وهو تيار يدعمه ما لا يقل عن تسعة أعشار الشعب الليبي، ولكن هناك أيضا أصواتا ترتفع بإعلان العداء للمصالحة، والمجاهرة بتخريب أي جهد للوصول إلى سلام، وتحتج على بعثة الأمم المتحدة لأنها لا تتمتع بالنزاهة والأمانة، وأنها أداة لتنفيذ أجندة أجنبية، وأنها تتحيز لجهات دون أخرى، خدمة لمصالح قوى استعمارية وإمبريالية، وهو كلام لا يخدم قضية الوطن، ولا يفعل سوى أن يضع العصي في دواليب المصالحة والسلام، ويعمل على استمرار حالة الفوضى، ربما لصالح جماعات لا تستطيع أن تعيش إلا في هذا المناخ الذي يغيب فيه القانون وتغيب فيه سلطة الدولة، ويبقى المجال فسيحا لأهل الجريمة وعصابات المافيا المحلية والدولية، تعمل دون حساب ولا عقاب.

ولابد هنا من أن ندق ناقوس الخطر، لأن كل التقارير تقول بأن حجم الجريمة في البلاد يزداد بوتيرة يومية وسريعة، وعمليات سطو تتم كل دقيقة في العاصمة، وعمليات خطف تتم بنفس المعدل وقتل على الهوية، وصار صعبا أن يتنقل الناس بين المناطق والمدن، وأصبحت البلاد في حالة انهيار يستفحل كل يوم، والبطالة تزداد، والخزانة العامة على وشك الإفلاس، والناس يفرون من البلاد إلى حياة خارجها كلها ضنك ومعاناة، وإذا لم يصل أهل الحراك السياسي إلى إقرار مشروع الحل الموجود الآن على الطاولة، وحكومة الوحدة الوطنية التي تم اقتراحها، فإن الوطن سيضيع ضياعا قد لا يعود بعده إلى أن يكون وطنا.

كاتب ليبي

9