ليبيا: ليس بالبرلمان وحده تبنى الأوطان

الخميس 2014/06/26

باشر الليبيون أمس، الأربعاء 25 يونيو، الذهاب إلى مراكز الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب المؤقت الذي سيحل محل المؤتمر الوطني العام، بعد مماطلة وتسويف كبيرين من هذا المؤتمر، الذي انتهت صلاحيته يوم 7 فبراير الماضي، لإطالة عمر إقامته في السلطة دون وجه حق، وبعد انتهاء التفويض الممنوح له من الشعب.

إلا أن إرادة الشارع الليبي، وحشود المواطنين التي خرجت في كل حواضر وقرى ليبيا تطالب بعدم التمديد للمؤتمر، أرغمتاه على أن يحدد موعدا لهذا الاستحقاق الانتخابي، واختيار مئتي عضو جديد لمؤتمر يتولى قيادة البلاد في المرحلة الانتقالية، أسموه مجلس النواب المؤقت، يكمل المهمة التي كانت موكولة للمؤتمر السابق، وهي الإشراف على إصدار الدستور، وإقامة انتخابات لبرلمان قادم، وانتخابات رئاسية، أو غير رئاسية، تتفق مع ما يقرره الدستور من أشكال الحكم، لكي تنتهي بذلك المرحلة الانتقالية التي شابها كثير من الارتباك، وعمت فيها الفوضى، وتسلطت فيها على الحكم واتخاذ القرار، من لا تملك الحق ولا الشرعية، وهي الميليشيات المسلحة ذات التطرف الديني، بمباركة ومساعدة من تيار الإسلام السياسي، الذي أراد الاستفادة منها في الفوز بسلطة فشل في الحصول عليها عن طريق الاقتراع.

وهذه النقطة كانت أهم التحديات التي واجهت انتخابات الأمس، وسأشرح هذه النقطة في عرض هذا المقال، كما سبق أن حللتها أثناء لقاء مع فضائية ليبية، استضافتني لاستطلاع رأيي في هذه المناسبة الجليلة، وهذا الملمح الأساسي من ملامح الحياة السياسية الديمقراطية، التي لا تستقيم دونها إقامة مجتمع مدني سليم، ودولة عصرية قادرة على تحقيق آمال وأحلام المواطنين.

وأردت بداية تأكيد فشل التفكير الأيديولوجي الدوغمائي في بناء الدولة الحديثة، وضربت الأمثلة بكل من جاء إلى الحكم حاملا مثل هذه النظريات في الحكم، التي تبني فوق الورق عالما مثاليا زاخرا بالهناء والسعادة والعدل والحرية والجمال، ولكنها فوق أرض الواقع لا تنتج إلا الكوابيس.

وضربت أمثلة من الحياة العربية التي تسيد فيها أهل الدغمائية السياسية سواء من البعثيين أو القوميين العرب أو الاشتراكيين الشيوعيين. فنحن، جميعا، ننبهر عندما نقرأ الأدبيات والمواثيق، ثم لا نجد إلا الرعب والإجرام والكوارث، في أنظمة مثل أنظمة حافظ الأسد وصدام حسين بشعارات ذات شنين ورنين عن أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة، لم نر منها- فوق أرض الواقع- إلا التمزق والتشتت وزرع الفتن والمشاكل، أو اشتراكية عبد الفتاح اسماعيل في عدن، أو حتى الشعارات القومجية المثالية التي حطمت مشروعا بدأ حاملا لبذور الأمل، هو مشروع جمال عبد الناصر، رغم ما كان يتمتع به الرجل، على المستوى الشخصي، من مزايا ومؤهلات، ولكن فخ الدغمائية والشعارات، أنزل به وبمشروعه وبلاده، أبشع الكوارث، ولم يبق على الساحة إلا الدغمائية الإسلامية، التي رأينا تجلياتها المرعبة في بلدان مثل أفغانستان والصومال ثم السودان الذي تشرذم وتمزق على أيدي حسن الترابي وعمر البشير. وطبعا، فإن الدغمائية الإسلامية أصبحت كذلك، بسبب خلط العقيدة الدينية بالسياسة، واستعمال الدين الحنيف مطية لأغراض وأطماع دنيوية في الاستحواذ على السلطة والثروة والجاه والنفوذ.

وشرحت عمق إيماني بالقيم الدينية، وحرصي الدائم على عدم فصل الدين عن الحياة، فالحياة ستتحول إلى صحراء قاحلة إذا أخرجنا منها الدين، فالدين هو مورد للتعبئة الروحية، وهو مورد للقيم والمثاليات والأخلاق، وهو أساس الضمير، وقلت معززا كلامي، إنني انطلق في إبداء هذا الرأي، من موقعي كرجل ينتمي إلى عائلة دينية، وتسميت باسم جدي الفقيه أحمد، الذي كان يحمل نور العلم وخدمة كتاب الله في أكثر مناطق الصحراء تخلفا، وتعلم القرآن على يديه آلاف من البدو الذين نقلهم من الجهل والأمية إلى نور العلم.

فأنا أكثر الناس معرفة بما يمكن أن يحققه الدين في حياة الإنسان من إثراء وإغناء، وما يضيفه إلى حياته من عميق المعاني وعظيم الأهداف، ولكنني أعترض بشدة على هذا الدمج المعيب للدين بالسياسة، لأن السياسة تفسد الدين، والدين يفسد السياسة.

السياسة تعامل مع معطيات الواقع في تحولها، والدين تعامل مع المثل والمبادئ في ثباتها وأزليتها. السياسة حالة استنفار للمجتمع في مواجهة تحديات ومتغيرات دولية وألاعيب وخطط، تريد المجابهة والتصدي، والدين حالة استنفار كونية، تكون رافدا للإنسانية في توصلها إلى المثل العليا، ولكن للصراع في العالم أدوات أخرى غير الدين، قد يكون من بينها ما يسميه السياسيون الخداع الاستراتيجي، فلماذا نجعل الدين أداة من أدوات هذا الخداع تكتيكيا أو ستراتيجيا؟

وخلاصة ما كنت أقوله أن ليس المهم هو هذا المستوى النظري، ولكنه المستوى العملي، الذي يتصل بشأن المعيشة وإدارة مؤسسات الدولة والمجتمع، الذي يجعلني أسال المواطن الليبي، الذي ذهب يوم الأربعاء للإدلاء بصوته، ألاّ ينخدع بتجار الدين، الذين يستخدمون العقيدة الإسلامية حبالا يتسلقونها إلى السلطة، فأهل الدولة المدنية الدستورية لا يختارون الكوادر السياسية بناء على الجدارة الدينية، كما يفعل أهل الدين السياسي، ولكن بناء على الكفاءة والتخصص، وليس لأنه متدين يجب أن يقود قطاع التعليم أو قطاع الصحة أو قطاع المالية، ولكن لأنه صاحب تخصص في الصحة أو التعليم أو المالية، أما الدين فمسألة بينه وبين خالقه، أريده متخصصا في مجاله، خاضعا للمحاسبة والمساءلة إذا أهمل أو أخطأ، ولا يتحجج بأنه صاحب قداسة دينية هي التي اعتمد عليها في إدارة القطاع، تلك القداسة الدينية وتلك العصمة حكر على أنبياء الله ورسله، وليست لعضو في تنظيم الإخوان أو حزب الله أو جماعة “داعش” أوأنصار الشريعة.

نعم ليس بالبرلمان وحده تبنى الأوطان وتؤسس الدول، ولكن هذا الاستحقاق الانتخابي لاختيار مجلس نيابي مؤقت، هو خطوة أساسية وجوهرية للخروج من الأزمة، والاستفادة من التجربة المؤلمة القاسية مع المؤتمر الوطني (الأفغاني) السابق، وفرصة لوضع ليبيا على طريق النهوض والنماء والتحرر من إرث الماضي وحكم الطغيان والاستبداد، فليحرص الليبيون على عدم إضاعتها، واستبدال استبداد مضى باستبداد قادم، سيكون بالتأكيد أكثر شراسة وإجراما.


كاتب ليبي

8