ليبيا ما بعد "البرق الخاطف"

الخميس 2016/09/15

آخر تطورات المشهد الليبي، كان على الجانب العسكري، وكان تطورا إيجابيا ستترتب عليه تغييرات في المعادلة السياسية وفي التحول نحو بناء الدولة، إذا أحسن توظيفه واستثماره، والتعامل معه بأجندة وطنية خالصة، وهو عملية البرق الخاطف كما أسماها الجيش الليبي، التي جعلته يتمكن وبأسلوب بارع في التخطيط والتنفيذ، من الاستيلاء على موانئ الهلال النفطي وطرد الجماعة المسلحة المسماة حرس المنشآت النفطية، وهي ميليشيا سيطرت لأكثر من أربع سنوات على الهلال النفطي، واستخدمه قادة هذه الجماعة في الابتزاز والتربح على طريقة العصابات، رغم أن أغلب عناصر هذه الجماعة ليست على قلب واحد مع قادتها، بدليل الاستسلام السريع أمام قوات الجيش الليبي، ودون سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بالمنشآت النفطية.

الجيش الليبي التابع للحراك الشرعي السابق في طبرق، أثبت عبر الحرب التي خاضها ضد التطرف والإرهاب في شرق البلاد، وعبر ما تحقق من انضباط في أدائه وتعامله مع المدنيين في بنغازي، أنه يملك المصداقية والجدارة، وتأتي عملية البرق الخاطف لتضعه في موقع متقدم في المعادلة الليبية، بأمل أن يكون عامل بناء وترسيخ لمبدأ بناء الدولة المدنية، والامتثال للسلطة السياسية التي يتوافق عليها أهل الحراك السياسي في كامل أنحاء البلاد، ولذلك فإنني استغربت لرد الفعل السريع وغير المدروس، الذي حمله بيان المجلس الرئاسي ضد عملية البرق الخاطف، وقد رأى فيها “خطوة تتناقض مع مسيرة الوفاق الشامل، وتحبط أمل الليبيين في تحقيق الاستقرار وحقن الدماء” والحديث في البيان عن “استغلال القوات الأجنبية المارقة للأوضاع الراهنة في بعض المناطق الحيوية والإستراتيجية”.

تمنيت لو أن المجلس الرئاسي تريث في رد فعله السلبي، وتقدم خطوة إلى الأمام نحو استثمار هذا النصر العسكري للجيش الليبي على ميليشيات حرس المنشآت النفطية، باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح يصب في صالح الدولة وسيطرتها على موارد البلاد، لأنه حتى وإن كان هذا المجلس قد دخل حقا في صفقة مع ميليشيا حرس المنشآت، باركها وسعى لتأكيدها ولعب دورا رئيسيا في إبرامها المندوب الأممي مارتن كوبلر، وأدى لها زيارة غير متوقعة لأنها كانت خارج السياق الدبلوماسي الشرعي والدولي، وتعامل مع فئة موصوفة في زمن سابق بالإرهاب، فإنها تبقى جماعة مسلحة ذات صبغة ميليشياوية، خرجت عن مهمتها في حراسة هذه المنشآت إلى السيطرة عليها، وقامت بتطبيق التعبير الدارج والسائر على ألسنة الناس “حاميها حراميها”.

سلوك المجلس الرئاسي يجب أن ينطلق من أنه هيئة لإنقاذ البلاد، لا بد أن ترتفع فوق التجاذبات المحلية، وأن تتوخى المصلحة العليا للوطن، وأن ترحب بأي جهد يصب في صالح بناء الدولة وتأسيس جيشها وشرطتها، وأن تبارك أي خطوة إيجابية، مهما كان مصدرها، فهو فوق الاستقطاب وفوق الأحزاب وفوق الاعتبارات الجهوية والعشائرية والأيديولوجية، مجلس لكل الليبيين، يمثل كل الأطراف، كما لا بد أن يعي أنه موجود لمهمة قصيرة المدى، كان قد حددها اتفاق الصخيرات بعام واحد قابل للتجديد، ونحن نرى هذا العام ينقضي دون وجود نتائج على الأرض في ما يخص مهمته الأساسية التي تتصل بوضع الأسس لبناء الدولة ومؤسساتها، وقد استهلك أغلب هذا العام دون أن يصل إلى تشكيل الوزارة التي تضافرت ظروف كثيرة على تعطيلها.

سأتوقف عند إشارة إلى الطريق الصحيح وردت على لسان عضو المجلس الرئاسي عن الجنوب موسى الكوني، أراها تنفع قاعدة لانطلاق عمل المجلس في المرحلة الجديدة، وتنسجم مع التطورات الناتجة عن عملية البرق الخاطف، عندما قال إنه يرى مهمة المجلس الرئاسي تتركز في إعداد البلاد لخوض انتخابات برلمانية عامة في مدة أقصاها منتصف العام القادم، ينشأ عنها اختيار رئيس مؤقت للبلاد، تدوم ولايته لمدة عام واحد. وأراها إشارة يجب أن تصبح منهاجا للمجلس الرئاسي، تتحدد فيها مسؤولياته وأسلوب عمله، وتتحدد عبرها الرؤية التي تراه بها بقية الأطراف، فهو بهذه الطريقة لن يكون طرفا في الصراع، وإنما الراعي للعملية السياسية التي يعود بها إلى الشعب صاحب الحق الأول في تقرير مصيره.

عملية البرق الخاطف، تطور عسكري مهم، يكمل تطورا إيجابيا حصل على جبهة مكافحة داعش في سرت، ويجب أن نرى دورا للمجلس الرئاسي في تأسيس جيش للبلاد باعتباره خطوة أساسية في بناء دولة المستقبل في ليبيا.

كاتب ليبي

9