ليبيا: ما لم يقله رئيس حكومة الوفاق

الخميس 2016/06/30

بينما يقول الناطق الرسمي للحكومة في طرابلس جمال زويبة، إن الحسم العسكري في معركة سرت مع داعش بات قريبا، خرج رئيس حكومة الوفاق السيد فايز السراج يعلن أن معركة الليبيين مع داعش لن يتم حسمها إلا إذا توحدت الجهود العسكرية في مواجهتها، وهو كلام أقرب إلى الصدق من كلام المتحدث الإعلامي، دون إنكار لحقيقة ما أحرزته قوات البنيان المرصوص من هجمات مظفرة ضد تنظيم الدولة في المنطقة الوسطى، وفي ضواحي سرت نفسها، وأظهرت هشاشة هذا التنظيم، الذي بالغت أميركا وحلفاؤها في اعتباره قوة لا تقهر، وهو ما تؤكده انتصارات جيش العراق الوطني، والقوات المساعدة له، في الفلوجة وصولا إلى الموصل، المركز الرئيسي لقيادة هذه الدولة المزيفة الكاذبة التي تنتسب زورا وبهتانا إلى الإسلام بينما هي أسّ التوحش والإجرام.

وبالتأكيد فإن وجود تنظيم داعش لا يقتصر على منطقة سرت، وإنما ينتشر في أجزاء كثيرة من ليبيا، وكما هو معلوم فإنها مازالت تخوض حربها الإجرامية في شرق البلاد، ببنغازي في مواجهة الجيش الليبي، وفي درنة التي اختلطت فيها الأوراق بينها وبين قوى أخرى لا تقل توحشا وتطرفا عن داعش، وإن وقفت موقفا معاديا منه، وله -كما تقول أحداث سابقة- وجود مكثف في صبراتة، التي استخدمتها قاعدة انطلاق لهجماتها في تونس، وله كما تقول تقارير أخرى خلايا نائمة في طرابلس نفسها، وله وجود في الجنوب، وخطوط إمداد من العمق الأفريقي، عن طريق حدود ليبيا الجنوبية، وهو ما يعطي مصداقية لقول السراج، بأن المعركة مع داعش لن تكون سهلة، ولن يستطيع المجلس الرئاسي حسمها عن طريق ما يسمى البنيان المرصوص، إلا إذا تعزز هذا البنيان بالقوة الوحيدة المؤهلة لخلق الحسم المطلوب، وهي الجيش الليبي الذي يقوم بالمنازلة في بنغازي، ضد قوى تنتسب إلى التوحش والإجرام الداعشي وغير الداعشي.

ما لم يقله السراج هو الخطوات التي قام بها مجلسه الرئاسي وحكومته المفوضة تفويضا يسبق المصادقة والشرعنة في هذا الخصوص، والمساعي التي تمت من أجل أن يجعل الجيش الليبي الموجود في شرق البلاد جزءا من هذه الجبهة التي يسعى إلى تأسيسها في مواجهة داعش، وطبعا الرأي العام الليبي يعرف حجم الخلافات بين مجلسه وبين الجيش الليبي في شرق البلاد، والتصريحات المتبادلة بين الجانبين، وما يقوله هذا الجيش عن الطبيعة الميليشيوية للقوة العسكرية التي يعتمد عليها المجلس الرئاسي في معاركه وحراساته، وكيف أنها في معظمها خاضعة لعناصر من أتباع الإسلام السياسي، وتحديدا لكل من الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة.

ولست بحاجة إلى أن أقول للسيد فائز السراج أن هناك شيئا يسبق هذا التوحيد العسكري الذي يدعو إليه وينشده ويريد تحقيقه، من أجل حسم الحرب مع داعش، لصالح البلاد، وصالح الدولة الليبية المدنية ضد الدولة الداعشية، وهو الوحدة الوطنية، وتحقيق المصالحة بينه وبين الحراك السياسي الموجود في شرق البلاد، وربما ليس في شرق البلاد فقط، ولكن في غربها أيضا، لأنه يعرف أن للدولة المدنية الديمقراطية التي ينشدها الليبيون أنصارا ومطالبين أكثر ممن ينضوون تحت جناح المجلس الرئاسي في غرب البلاد وجنوبها، علاوة على شرقها، الذي يمثل هذه الفترة الكتلة الأكبر، كما يمثل الكيانات الرسمية وذات الصبغة الشرعية، التي لا وجود لحكومته نفسها ومجلسه الرئاسي، دون الوصول إلى عملية سياسية توافقية، تؤمن له المصادقة على الحكومة وتعديل الإعلان الدستوري، وتحرره أيضا من الاستمرار رهينة للبعض من قوى الإسلام السياسي التي تتصدر المشهد في طرابلس.

يُحسب للمجلس الرئاسي ولحكومة الوفاق التي تنقصها المصادقة، ومجلسها الوزاري الذي يعمل بالتفويض، وليس بمصادقة مجلس النواب، أنهم باشروا العمل، وأنهم يحظون باعتراف المجتمع الدولي، وأنهم أنجزوا شيئا من التوافق في طرابلس مع القوى المتحكمة في دواليب السلطة فيها، والتي تسيطر على البعض من الميليشيات التي انتظمت في سياق وترتيبات المجلس الرئاسي، وأنهم استطاعوا إحداث نوع من التفاهم والتنسيق مع هذه القوى العسكرية التي بادرت بالهجوم على معاقل داعش في سرت، وكله يصب في سواقي المجلس الرئاسي، إلا أن ما حصل لا يكفي، لأنها ليست حكومة الإنقاذ السابقة، برئاسة السيد خليفة الغويل، ولأنها ليست الحراك الذي كان يقوده سياسيا وعسكريا السيد نوري بوسهمين، وإنما هي حكومة وفاق لكل الليبيين، مسؤوليتها الأساسية هي توحيد كل دواليب الدولة تحت سلطتها، وإنجاز المصالحة مع شرق البلاد وغربها وجنوبها، وتحويل الميليشيات إلى مؤسسة عسكرية ومؤسسة أمنية، وينتهي وجود السلاح خارج سلطة الدولة وسلطة القانون، ويصير احتكارا للدولة، لا منافس لها فيه من أي قوة خارجها.

وتدخل ضمن هذه المهمات الرئيسية مهمات أخرى تتصل بمعيشة الناس، وتوفير الحياة الكريمة لهم، والأداء الاقتصادي الذي ينهي المعاناة، وتوفير الأمن الذي ينهي هذا الانهيار الذي يجعل جرائم السطو والخطف والقتل تحدث تحت أنف المجلس الرئاسي، وعلى بعد خطوات من مقره في القاعدة البحرية، دون حسيب ولا رقيب ولا سلطة للقبض على المجرم، وجلبه إلى القضاء، وأمام أنظار المجلس تحصل هذه الانقطاعات في الكهرباء، وإمداد البيوت بالماء، وجفاف السيولة من المصارف، وبين يديه كل هذه الاعترافات الدولية وكل هذه العروض بالعون والمساعدة من القوى الكبرى في العالم، دون أن يرى المواطن أثرا لكل ذلك.

كاتب ليبي

9