ليبيا من دولة رائدة سينمائيا إلى غياب السينما

المخرج الليبي عبدالله الزروق يعتبر أن تاريخ السينما في بلاده سقط ولم يبق منه إلا وثائق.
الخميس 2019/01/17
القطاع الخاص هو الطريق إلى السينما الحرة

يعتبر المخرج السينمائي الليبي عبدالله الزروق من رواد السينما العربية، فهو مخرج الفيلم الروائي الأول في تاريخ السينما الليبية المعاصرة “عندما يقسو القدر” 1972، عشق السينما منذ أن كان عمره ستة عشر عاما. في مشواره المهني العديد من الأعمال السينمائية والمسرحية والتلفزيونية. في هذا الحوار مع “العرب” تحدثنا عن السينما في ليبيا والانتكاسات التي مرت بها.

ينفى المخرج عبدالله الزروق ما تم تداوله عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) عن سرقة أكثر من عشرة آلاف فيلم وثائقي وروائي من الأرشيف السينمائي الليبي، مستطردا “الأرشيف موجود وحالته جيدة والذي تم تصويره ونشره علب لأفلام تجارية عمرها تجاوز العشرين عاما وأغلبها أجنبية. هذا الأرشيف يعود تاريخه إلى العام 1911، يحوي وثائق مصورة لأكثر من 10000 عنوان. ومؤخرا عقدت الهيئة العامة للخيالة والمسرح اتفاقية مع مدينة السينما في إيطاليا للعمل على إعداد دورات فى ترميم الأفلام وتبويبها وإنشاء منظومة حديثة للتخزين والفرز. ولو تحقق هذا الاتفاق سيكون لدينا متحف بصري وهذا نصر ثقافي مهم”.

ريادة لم تكتمل

حول تاريخ السينما الليبية الذي يتجاوز الـ100 عام، يقول الزروق “في عام 1968، تكاملت كل التقنيات السينمائية فأنشِئت معامل التحميض والطبع وتم شراء آلات التصوير من ألمانيا وبدأت الاستعدادات لقيام سينما وطنية في الوقت الذي كانت فيه أغلب الدول العربية لا تملك مثل ما لدينا. كان ذلك عندما كان الراحل أحمد الصالحين الهوني وزيرا للإعلام والثقافة. كانت لديه الرغبة في قيام سينما ليبية فأنشأ قسم الإنتاج السينمائي وبدأت المحاولات الأولية في الإنتاج بفيلم ‘أيام وليالي‘ من إخراج المخرج المصري عبدالله بركات.

من أول الأفلام السينمائية التي تم إنتاجها في ليبيا
من أول الأفلام السينمائية التي تم إنتاجها في ليبيا

وفي بداية العام 1969، بدأ العمل في فيلم ‘رسالة من ليبيا‘ وهو فيلم سياحي شارك فيه الراحلون خديجة الجهمي ومحمد حقيق وحليمة الخضري وعمران المدنيني وعلي عطية. وهو من إخراج المصري أحمد الطوخي ولكنه لم يكتمل. وفي العام 1973، أنتجت وأخرجت فيلم ‘عندما يقسو القدر‘ ويعتبر أول فيلم في تاريخ السينما الروائية الليبية. ثم فيلم ‘الطريق‘ للمخرج الفلسطيني يوسف شعبان محمد. وقامت شركة محسن الطمزيني بإنتاج فيلمين عن لبدة وصبراتة. وقامت شركة الشرق بإنتاج فيلمين هما ‘أبو ربيع‘ و‘كلمة شرف‘”.

ويضيف “هذا الزخم كان هو العلامة على أن تكون ليبيا من الدول السباقة في مجال السينما. خاصة بعد ظهور الشركات الخاصة وزيارة المنتجين العرب إلى ليبيا. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فعند إنشاء المؤسسة العامة للسينما فى نهاية العام 1973، توقفت كل الشركات الخاصة التي كانت الأمل الوحيد في قيام سينما ليبية حقيقية. وسيطر القطاع العام على كل ما له علاقة بالسينما وسيرها وفق الفكر المطروح آنذاك وضاع الأمل في أن تكون ليبيا من الدول المنتجة مثل مصر وسوريا ولبنان والجزائر في ذلك الوقت. كان الأمر محزنا بالنسبة إلينا كسينمائيين”.

وقال مخرج فيلم “أحلام صغيرة” لقد “تابعنا الفترة الواقعة بين 1973 و2003، وهي السنة التي ألغيت فيها المؤسسة العامة للسينما، بقرار من لجنة بمكتب الاتصال باللجان الثورية، وتشرد الفنانون كل مجموعة في مكان، وخلال أكثر من 45 سنة من قيام هذه المؤسسة لم تنتج إلا ثلاثة أفلام فقط”.

في السبعينات شهدت السينما في ليبيا حضورا ملفتا، حيث كانت صالاتها تعرض أفلاما قبل الدول المنتجة لها. وهنا نسأل مخرج مسلسل “وشاء القدر”عن السبب في هذه الانتكاسة، فيقول “فى عام 1979 صدر قرار بتأميم دور العرض وتحولت كليا إلى سلطة المؤسسة العامة للسينما، وأصبح شراء الأفلام ممنوعا. وبذلك أصبحت دور العرض أسيرة المؤسسة، تتحكم فيها وفي أفلامها بعد أن كانت تتبع شركات القطاع الخاص التي كانت تتنافس على عرض الأفلام المصرية والسورية والأجنبية فى ليبيا، قبل عرضها في الدول المنتجة. حتى أنه تم عرض فيلم ‘لورانس العرب‘ قبل الدول العربية. هذه الشركات الخاصة كانت منفتحة على الإنتاج العالمي، تعرض الأفلام في نفس توقيت عرضها في عواصم العالم، ناهيك عن نظافة دور العرض والدعاية الجميلة للأفلام. وعندما تم تأميمها سقط كل شيء وأصبحت خرابات وأفلاما تافهة لا ترقى إلى المستوى الثقافي الذي نطمح إليه”.

الوعي الثقافي

الزروق: صناعة السينما تمتلك حرية الرأي والتعبير وتقدم كذلك إجابات شافية عن أسئلة المجتمع الذي يتطلع إلى الكثير
الزروق: صناعة السينما تمتلك حرية الرأي والتعبير وتقدم كذلك إجابات شافية عن أسئلة المجتمع الذي يتطلع إلى الكثير

يقول مخرج مسلسل “ماشي الحال” “بدأت العمل في السينما مبكرا منذ أن كان عمري ستة عشرعاما لذلك أشعر بما يحسه المبدعون الشباب الآن وأعرف مدى رغبتهم فى الانطلاق والتعبير، ولقد شاهدت الكثير من أفلامهم واستطاعوا بميزانيات بسيطة وتقنيات متواضعة أن يعبروا عن واقعهم بلغة بصرية جميلة، وإذا لم يتحصلوا على دعم مادي ولوجستي ورعاية من مؤسسات الدولة ذات العلاقة، فإننا سنفقدهم ونحيلهم إلى الإحباط المدمر. إن عشق صناعة الأفلام هو انتصار للوعي وفخر للثقافة، لا بد أن نفتخر به ونقول له إننا نفتخر به ونراهن عليه ونقيم له المهرجانات التى يعرض فيها أفلامه”.

وهنا نسأله عن غياب نوادي السينما في ليبيا، فيقول “لماذا لا نستغرب عندما نعرف أنه لا توجد لدينا نوادي سينما؟ أنا أعتبر هذا الغياب شروعا في قتل الآلاف من الشباب الذين يطمحون لرؤية مدنهم مزدانة بأعمال هواة التصوير وعشاق الأفلام. النوادي السينمائية مكان لترشيد الشباب وتوجيههم للأفلام الجيدة وإقناعهم بعدم جدوى الأخرى. لم يتجاوز عدد نوادي السينما في ليبيا خمسة نواد موزعة بين مدينتي بنغازي وطرابلس. كانت تكتفي بعرض الأفلام ومناقشتها دون الولوج إلى تفاصيل أخرى. لا بد من معرفة أن عدد النوادي السينمائية فى تونس تجاوز المئتين وتعتبر مصر رائدة في نوادي السينما وقد استطاعت جماعة السينما الجديدة أن تنتج فيلمين مهمين وهما ‘الظلال على الجانب الآخر’ و’أغنية على الممر’. وإن نادي بيروت السينمائي قد أسس للسينما اللبنانية. الباحثون يعتبرون هذه النوادي وسيلة لمعرفة المبدعين وتلاقيهم وإتاحة الفرصة لهم للاحتكاك بالمحترفين وكل البلاد العربية لا تقل نواديها عن عشرين ناديا. فمتى نفكر في هذا المنجز خاصة وأن هناك مهرجانات عالمية تشارك فيها المواهب مثل المهرجان الدولي لفيلم الهواة بقليبية في تونس والذي وصل عمره إلى أكثر من نصف قرن”.

يقول الزروق إن “صناعة السينما تمتلك حرية الرأي والتعبير وتقدم إجابات شافية عن أسئلة المجتمع الذي يتطلع إلى الكثير مما لا يستطيع القطاع العام أن يقدمه. فالحكومة تريد من يغازلها ويقدم كتّابها وفنانيها الموالين لها، وقد انهارت عروشها في أغلب الدول ومثالنا مصر التي صنعت أكبر الكيانات في تاريخ السينما العربية ولكنها تهاوت، ولم يبق منها إلا المركز القومي للسينما الذي لا يقدم إلا الأفلام التسجيلية ولا نسمع به إلا في بعض المهرجانات بمشاركات محتشمة. القطاع الخاص هو الطريق إلى السينما الحرة”.

وحول علاقة الأدب بالسينما يختم عبدالله الزروق، قائلا “لقد تم تحويل عدة روايات ليبية إلى أعمال درامية منها رواية ‘صفحة من كتاب الموتى‘ للروائي أحمد إبراهيم الفقيه، سيناريو الراحل نوري الرايس وسيناريو فيلم ‘الأيام الأولى‘ عن رواية للراحل خليفة حسين مصطفى وسيناريو فيلم ‘تلك الليلة‘ عن رواية للروائي عبدالرسول العريبي وكلها تمت الموافقة عليها في البداية وبدأنا في البحث عن مواقع التصوير واختيار الممثلين ثم توقف كل شيء. ألغيت لأسباب واهية. ولم ينتج إلا فيلم ‘الشظية‘ عن قصة للأديب إبراهيم الكوني وإخراج الراحل محمد الفرجاني. قرعنا كل الأبواب ولكن لا مجيب”.

15