ليبيا نحو طريق سلامة

السبت 2017/09/30

سيكون على المبعوث الأممي غسان سلامة أن يجتهد طويلا وكثيرا لابتكار حلول تخرج بالليبيين من النفق المظلم الذي سقطت فيه بلادهم منذ سبع سنوات، فهو على الأقلّ، أقرب إلى فهم طبيعة مجتمع عربي قبلي مسلم ذي خصوصيات ثقافية وحضارية واجتماعية لا يمكن تجاوزها تحت أيّ شعارات ديمقراطية أو ليبرالية أو علمانية مستوردة، كما أنه أقدر على قراءة الراهن الليبي الذي تحاول قوى التدخل الأجنبي أن تسقط عليه تجارب شعوب ومجتمعات أخرى، أو تتنكر لحقائق الأرض من أجل ترسيخ طموحات بعض العناصر أو التيارات أو الجماعات التي أثبتت الأحداث أنها غير مؤثرة في الواقع المجتمعي.

اليوم، هناك وضع ليبي متأزم، وهناك معاناة حقيقية يواجهها الشعب على مختلف الأصعدة، وهناك جماعات إرهابية تدار بالريموت كونترول من عواصم إقليمية ودولية، وميليشيات مسلحة أغلب عناصرها من المرتزقة وصيادي الغنائم، وهناك نهب وسلب وحرابة وفقر وفقدان للخدمات وتدهور للطاقة الشرائية بسبب غياب السهولة وانهيار الدينار وارتفاع نسبة التضخم.

وهناك مهجّرون في الخارج ومشرّدون ونازحون في الداخل، ومعتقلون في سجون الميليشيات، وصراعات قبلية وجهوية وأيديولوجية، وهناك أرض مفتوحة للمهاجرين غير الشرعيين الحالمين بالإبحار إلى الضفة الشمالية للمتوسط، وشبكات للمتاجرة بالبشر، وعصابات لتهريب النفط، وهناك فلول لتنظيم داعش أغلب عناصرها من أصحاب الجنسيات غير الليبية تحاول أن تضع يدها على مساحات من البلاد بعد طردها من سرت، وهناك الملايين من قطع السلاح تنتشر على امتداد الجغرافيا الليبية.

وفي المقابل هناك مجلس رئاسي عاجز عن اتخاذ أيّ قرارات مصيرية بعد أن استقال أحد أعضائه، وجمّد اثنان عضويتيهما، ثم التحق بهما ثالث، ليبقى فايز السراج محفوفا فقط بممثل الجماعة المقاتلة وممثل الإخوان وممثل مصراتة، وهناك حكومة للوفاق لا تزال منذ تشكيلها في أوائل 2016 غير شرعية لكونها لم تحظ بعد بتزكية البرلمان، وحكومة “الإنقاذ” الموازية التي تم طرد ميليشياتها من طرابلس فبقيت تتربص من خلف الضواحي، و“المؤقتة” التي تنشط بشرعية لا تتجاوز إقليم برقة حصلت عليها من مجلس النواب.

وهناك الجيش الوطني الذي بات يسيطر على 80 بالمئة من الأراضي الليبية، ويحظى بتقدير نسبة كبيرة من الليبيين وخاصة في المنطقة الشرقية، وهناك أنصار النظام السابق من أبناء القبائل والمدن ممن يمثلون نسبة مهمة من الشعب ترى في سيف الإسلام القذافي زعيما لها، وهناك إسلام سياسي غير موثر شعبيا، ولكنه نشط إعلاميا بواسطة امتداداته الخارجية.

وعندما ينظر غسان سلامة إلى هذه الخارطة من المشاكل يدرك أن اتفاق الصخيرات الذي تم التوصل إليه على عجل، يحتاج إلى تعديل، لذلك انطلقت اجتماعات تونس بين ممثلي البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، بحثا عن دليل للخروج بإجراء يرضي جميع الأطراف وخاصة في ما يتعلق بالمادة الثامنة التي طالما كانت وراء تعطيل جزء مهم من الحل، نتيجة إشارتها إلى أن “تنتقل جميع صلاحيات المناصب العسكرية والمدنية والأمنیة العلیا المنصوص علیها في القوانین والتشریعات اللیبیة النافذة إلى مجلس رئاسة الوزراء فور توقیع هذا الاتفاق، ویتعیّن قیام المجلس باتخاذ قرار بشأن شاغلي هذه المناصب خلال مدة لا تتجاوز عشرین یومًا.

وفي حال عدم اتخاذ قرار خلال هذه المدة، یقوم المجلس باتخاذ قرارات بتعیینات جدیدة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثین یوما، مع مراعاة التشریعات اللیبیة النافذة”، حيث تمّ التنصيص على هذه المادة في ديسمبر 2015 بهدف الإطاحة بالمشير خليفة حفتر، قبل أن يتحوّل إلى لاعب أساسي في المشهد العام باعتراف من كانوا بالأمس يناصبونه العداء، أو يشككون في دوره الميداني الذي سرعان ما تحوّل إلى دور سياسي بامتياز.

كما أن التعديلات لا تحقق غاياتها دون تجاوز أهم نقيصة وقع فيها المبعوثون السابقون، وهي تركيزهم على فتح باب التفاوض واتخاذ القرار أمام سياسيين دون رصيد شعبي وقادة الميليشيات المنتصرة في حرب غير متكافئة كان للتدخل الخارجي الدور الأكبر فيها، بينما تعرضت أغلبية الشعب من أبناء القبائل والمدن للتجاهل نتيجة استمرارها في موالاتها للنظام السابق، فما كان منها إلا أن أفشلت كل المشاريع السياسية المقترحة بالتجاهل واللامبالاة.

ويبدو أن سلامة تفطن إلى هذا الأمر، فلا حل في ليبيا دون الانتباه إلى أنصار النظام السابق الذين يمثلون الرقم الصعب، ولكن حتى هذه تحتاج إلى موقف جريء من مجلس الأمن بإلغاء القرار الذي كان أصدره في العالم 2011 وفي ظل ظروف معينة بملاحقة سيف الإسلام القذافي من قبل محكمة الجنايات الدولية، خصوصا وأن ما حدث في ليبيا من جرائم حرب بعد الإطاحة بالنظام السابق ومنها الهجوم الإرهابي على مدينة بني وليد نتيجة القرار رقم 7 وجرائم فجر ليبيا في طرابلس وورشفانة وسرت وغيرها ما انفكت تمرّ دون أي تتبع قضائي دولي.

وإذا كان الاتجاه يمضي حاليا نحو صياغة مشروع للدستور والتشريع لإجراء استفتاء دستوري وانتخابات رئاسية وبرلمانية في أجل أقصاه عام، فإن ذلك لن يتحقق إلا بفتح المجال للمهجرين للعودة إلى بلادهم وإطلاق سراح الأسرى وإعلان العفو العام بين الليبيين، ووضع كافة أراضي البلاد تحت سيطرة أجهزة الدولة.

فشل طارق متري وبرناردينو ليون ومارتن كوبلر في الدفع بالأزمة نحو الحل، لأنهم لم يفهموا ما يحتاج الوسيط لفهمه، وكانوا ينطلقون من قراءة الخارج للوضع الليبي وهو ما يبدو أن غسان سلامة قد انتبه إليه، لذلك اختار أن ينطلق من داخل ليبيا لفهم طبيعة الوضع المتردي بتداخلاته المعقدة، ما يبرر التفاؤل السائد بأنه قد يكون دليلا إلى طريق السلامة.

كاتب تونسي

8