ليبيا: هل يصحح ماكرون ما قام به ساركوزي

السبت 2017/07/29

أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نهجا ديناميكياً في السياسة الخارجية في بدايات عهده، وكان تفقده القوات الفرنسية في مالي ومشاركته في قمة فرنسا ودول الساحل الإشارة الأولى لأهمية هذه المنطقة لأمن فرنسا القومي ودورها، وتأتي المبادرة الفرنسية، هذا الأسبوع، بخصوص الشأن الليبي في الشمال الأفريقي المجاور لتؤكد أن الأزمة الليبية من أولويات فرنسا الدبلوماسية في المرحلة القادمة.

هل يتمكن إيمانويل ماكرون من إصلاح ما أفسـدته لعبة الأمـم والحروب الليبية وإرث فرنسا ومسـؤوليتها، أم ستبقى المبادرة من ضمن المحاولات المتعددة التي لم تحقق الاختراق المنشود لبدء مسيرة السلم الأهلي والإنقـاذ، ولمنع بقـاء ليبيا دولة فاشلة.

كانت للعلاقات الفرنسية الليبية إبان حقبة العقيد معمر القذافي صلات سيئة في الإجمال، عدا حقبة جورج بومبيدو وصفقة طائرات الميراج الشهيرة، وتخللتها مواجهات مباشرة في حرب تشاد ومواجهات بالوكالة ومنها عمليات إرهابية. وتحسنت هذه العلاقات في الولاية الثانية لعهد الرئيس الأسبق جاك شيراك (2002 - 2007) إثر موافقة طرابلس الغرب التخلص من سلاحها الكيميائي والتخلي عن برنامجها النووي ودفع تعويضات لضحايا طائرتي لوكربي ودي سي-10. واللافت للنظر أنه في 2007 عند انطلاق حكم نيكولا ساركوزي، برز اهتمام بالشأن الليبي من زاوية إطلاق سراح الممرضات البلغاريات (المتهمات زوراً مع ممرض فلسطيني بالتسبب بتسميم أطفال بالإيدز في بنغازي) وكان الوسيط دولة قطر، وكان هذا المفتاح لزيارة القذافي إلى باريس في ديسمبر 2007 وما رافقها من كلام عن توقيع عقود مبدئية بقيمة عشرة مليارات دولار.

بيد أن هذه العقود بقيت في غالبيتها حبراً على ورق، ولَم تنجح باريس في تسويق طائرات رافال وكانت تتابع نشاط واشنطن لترتيب البيت الليبي. وهكذا بعد انـدلاع الحـراك التـونسي الـذي كـانت بـاريس في غفلة عنـه، بل كـانت من معارضيه، سرعان ما قرر ساركـوزي الاستـدراك في ليبيا كي تكون باريس حاضرة إبان حقبة الزلزال العربي السيـاسي الـذي أخذت تلاحظ ارتداداته انطـلاقا من سيدي بوزيد في تونس إلى ميدان التحرير في القاهرة.

في مواجهة استعداد القـذافي للانقضاض على بنغازي تحركت باريس تحت غطاء “التدخل الدولي الإنساني” مما أتاح بالتعاون مع لندن إصدار قرار ملزم عن مجلس الأمن الدولي، سمح الإسهاب بتفسيره (مع موافقة واشنطن وتغاضي موسكـو وبكـين) لحلف شمـال الأطلسي تنفيـذ عمليـة عسكرية أطاحت بالحكم الليبي.

بالرغم من قرع نيكولا ساركوزي وديفيد كاميرون لأجراس النصر في خريف العام 2011، بدأت تظهر بسرعة الصعوبات الجمة للسيطرة على الوضع في بلاد شاسعة بمساحتها التي تصل إلى 1.760.000 كيلومتر مربع وبساحل يطل على البحر المتوسط يصل طوله إلى 1850 كيلومتر.

منذ 2012 أخذ يرتسم في ليبيا السيناريو الكارثي لما بعد حرب العراق في 2003، وأخذ يتضح أن هدف بعض من ادعوا دعم الشعب الليبي لم يكن إلا السعي لتقاسم “الكعكة الليبية” في بلد غني بثروة الطاقة ومتمتع بموقع جيوسياسي متميز على أبواب أوروبا، ويربط بين العالم العربي والساحل والعمق الأفريقي.

ولوحظ منذ البدايات عدم قدرة باريس على التحكم باللعبة الخاصة لبعض شركائها في المغامرة الليبية، وخصوصاً دولة قطر بالرغم من العلاقة الحميمة بين الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي والقيادة القطرية وعلى وجه التحديد رئيس الوزراء القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، ومن الأمثلة المهمة عدم تلبية طلب رئيس الحكومة الليبية الانتقالي محمود جبريل بنزع سلاح الميليشيات والشروع في إعادة بناء الجيش والدولة.

سيتطلب الأمر بعض الزمن للكشف عن الوثائق الدبلوماسية وتحديد المسؤوليات الداخلية والإقليمية والدولية في انهيار الوضع الليبي. لكن مما لا شك فيه أن فرنسا المبادرة في فبراير 2011 من أجل تشريع التدخل الدولي، تتحمل قسطاً من المسؤولية في عدم التنبه لمسار مشابه لما رفض جاك شيراك الموافقة عليه في حرب العراق عام 2003.

هل يتمكن ماكرون من إصلاح ما أفسدته لعبة الأمم والحروب الليبية وإرث فرنسا ومسؤوليتها، أم ستبقى المبادرة من ضمن المحاولات المتعددة التي لم تحقق الاختراق المنشود لبدء مسيرة السلم الأهلي والإنقاذ

وهذا العجز الدولي عن متابعة العملية العسكرية وآثارها، وعن استباحة العديد من القوى الخارجية للساحة الليبية أدى ليس فقط إلى التفكك واندلاع عدة حروب في حرب، بل نتج عنه انتعاش الاٍرهاب في ليبيا والساحل المجاور مما حمل فرنسا أوائل العام 2013 على التدخل في مالي، ولا تزال عمليتها العسكرية في الساحل مستمرة منذ 2014.

شيئاً فشيئاً فقدت باريس ولندن دورهما المؤثر على مجرى الأمور مع بروز محورين إقليميين متصارعين (قطر وتركيا من جهة، ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى)، إلى جانب مواقف رمادية لتونس والجزائر والسودان وغيرها من الأطراف الإقليمية، أما الأطراف الغربية فلم يكن هناك مواقف متجانسة بينها حيث عادت لغة المصالح وانتزاع مواقع نفوذ لتطغى على ما عداها بين باريس وروما ولندن تحت العين الساهرة لواشنطن وبدء العودة الروسية منذ 2015.

راهنت فرنسا إبان حقبة فرنسوا هولاند على دور منظمة الأمم المتحدة في التوصل إلى الحل السياسي المنشود ووقف التدهور الأمني والاقتصادي، وأسهم ذلك في إبرام اتفاق الصخيرات 2015 بعد مسار طويل وعسير من دون أن يدخل فعلا حيز التنفيذ مع أن مدته الانتقالية تنتهي عملياً أواخر العام 2017.

ما بين مايو 2014 ويوليو 2017، أدت الحروب الليبية والمناورات السياسية إلى سيطرة الجيش الوطني الليبي تحت قيادة المشير خليفة حفتر على الهلال النفطي وعلى أجزاء واسعة من الأراضي في الشرق والجنوب وبعض مناطق الوسط والغرب. وفِي المقابل يتمتع فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني بالدعم الدولي، لكنه لم يتمكن من التخلص من نفوذ حركات متطرفة واستمرارية مراكز القوى من طرابلس إلى مصراتة بعد النجاح في التخلص من تنظيم داعش في سرت.

حيال مأزق المراوحة في المكان ومخاطر اندلاع معركة كبيرة قرب طرابلس وفي داخلها، وأمام تنقل الإرهاب صوب الجنوب وتغلغله داخلياً، وتضخم حجم الهجرة غير الشرعية انطلاقاً من ليبيا، ظهر أن التلويح بالحسم العسكري يمكن أن ينطوي على مخاطر إضافية. إن تفاقم الوضع بسبب حدة الانقسام الداخلي (مع اقتراب نفاد صلاحية اتفاق الصخيرات) وضراوة الصراع الإقليمي والتجاذب الأوروبي – الأوروبي، والدخول الروسي على الخط، ينذر بالأدهى خاصة إذا استنتجنا عقم المعالجات الدبلوماسية وفشل مبعوثي الأمم المتحدة التي تعوّل الآن على موفد مخضرم هو الوزير اللبناني السابق غسان سلامة.

إزاء هذا المشهد الليبي المتصدّع والمتفجر والمهدد للأمن في المحيط المباشر وأوروبا، قرر إيمانويل ماكرون إطلاق مسعاه في تنظيم لقاء سان كلو قرب باريس، في 25 يوليو، بين المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني، وفائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني. وأتى التركيز على الشخصيتين الأكثر تأثيرا من الناحيتين السياسية والعسكرية كي يتم الخروج من المأزق وبدء ديناميكية حل فعلي يتوسع على كل الأطراف، وربما كان لوصول غسان سلامة الموفد الأممي الجديد واندلاع الأزمة الخليجية (حيث تنشغل الدوحة خصوصاً في شأنها الداخلي والإقليمي المباشر) دور في توقيت مبادرة ماكرون.

حيال تأكيد السراج وحفتر التزامهما بوقف مشروط لإطلاق النار، والعمل على إجراء انتخابات في ربيع 2018، التزمت ميليشيات طرابلس ومصراتة الصمت، وصدر ترحيب من البرلمان الليبي المعترف به دوليا والموجود بمدينة طبرق.

لكن برز في المقابل إعلان حزب “العدالة والبناء”، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، رفضه إجراء أي تعديلات خارج إطار اتفاق الصخيرات. واعتبر هذا الحزب أن “عقد لقاءات برعاية دول منفردة انحراف عن المسار السياسي للاتفاق السياسي وتشويش عليه”. تناغم هذا التحفظ من الداخل الليبي مع رسالة إيطالية سلبية تجاه باريس، حيث رأى الرئيس الإيطالي، سيرجيو ماتاريلا، في تغريدة نقلتها سفارة بلاده لدى ليبيا على موقع تويتر أن “تحقيق استقرار طويل الأمد في ليبيا يحتاج إلى تحرك يفوق الجهود الفردية للدول والتحالفات الطوعية”.

ومع أن عودة فائز السراج إلى طرابلس التي تمت عن طريق روما (مع طلبه مساعدة عسكرية من البحرية الإيطالية لمكافحة الهجرة غير المشروعة) أشارت إلى الاعتراف بأهمية الدور الإيطالي السياسي والعسكري في الشأن الليبي (هناك تواجد لعسكريين وخبراء في مصراتة وطرابلس)، ركزت اتصالات ماكرون مع روما على أهمية وحدة المجتمع الدولي في الحل الليبي، وكان حضور وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى باريس إشارة واضحة إلى دعم جهود ماكرون.

يجدر التذكير أن الرئيس الفرنسي بحث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال قمتهما الأخيرة في باريس الشأن الليبي، وقامت الدبلوماسية الفرنسية بإبلاغ موسكو، وكل اللاعبين المعنيين بفحوى المبادرة، وليس هناك من علامات توحي بعرقلة لها أو بتشجيعها ودفعها.

إنها بداية مسار كان لا بد لباريس من القيام به بالرغم من تنوع المصالح والمخاطر، علّ ذلك يسهم في التخفيف من آثار اندفاعة ساركوزية دفعت ثمنها ليبيا، وتضررت منها فرنسا.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

9