ليبيا وإدارة الأزمة بالأزمة

الجمعة 2015/10/23

هناك مدخلان أو مدرستان للإدارة بما فيها إدارة الأزمات. الإدارة بالأهداف أو الإدارة بالوسائل، وأضافت العقلية الاستعمارية في العصر الحديث مدرسة جديدة وهي الإدارة بالأزمة أو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق، كونداليزا رايس، بالفوضى الخلاقة أو الهيمنة بدون خسائر للمستعمر.

انتهج برنادينو ليون ومن وراءه نظرية الإدارة بالأزمة لمعالجة الحالة الليبية، علما بأن هذا الخطأ ليس مسؤولا عنه ليون، وإنما كان الحلف الأطلسي وحلفاؤه الإقليميون قد قرروا منذ فبراير 2011 إدارة المشكلة الليبية بنظرية الأزمة أو بالفوضى الخلاقة أو ما أسميه بسرطنة النسيج الاجتماعي الليبي.

إن الذين تباكوا على الشعب الليبي وعملاءهم كانوا يعرفون أن المتطرفين هم من يقودون التمرد المسلح وفيهم مجموعات كبيرة غير ليبية، وأن ليبيا لن تتمكن من بناء نظام تتداول فيه السلطة لأن كل هذه القيم محرمة في أجندة القاعدة والجماعة الليبية المقاتلة، بل حتى لدى الإخوان المسلمين رغم ممارستهم التقية ومحاولتهم مخادعة الغرب بأنهم الوجه الحضاري للإسلام، وكان الغرب يعرف أنهم قوى ظلامية ستطفئ أي بارقة أمل للنهوض بالمنطقة العربية.

إن ازدواجية المعايير وتباين الأجندات أوضحا كذب ادعاءات الغرب عام 2011، لأنه إذا كان المجتمع الدولي جادا في مساعدة الشعب الليبي مثلما طالعتنا الاجتماعات المكثفة لما سمي بأصدقاء الشعب الليبي عام 2011، ثم اختفوا بعد أن نجحوا في وضع أرجل الشعب الليبي في الفخ، لماذا فتحوا ليبيا على مصراعيها بعد سقوط النظام لتركيا وقطر والسودان لتحقن النسيج الاجتماعي الليبي بفيروس الإرهاب والتطرف؟ ولماذا انسحب الحلف الأطلسي فور نجاحه بقتل القذافي، ولماذا لم يقم بنفس الدور الذي قام به في البوسنة أثناء الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة؟

كان يمكن لليبيا أن تنهض من جديد لو أديرت أزمتها وفق نظرية الإدارة بالوسائل أو الإدارة بالأهداف، أي إما أن يتم بإشراف دولي على انتخابات حرة ونزيهة ليختار الشعب حكومته وجهازه التشريعي، ثم تتصدى هذه الأجهزة لجبر الضرر والإشراف على ترقيع النسيج الاجتماعي وإنهاء كل عوامل عرقلة بناء الدولة من تجميع السلاح وحل الميليشيات وتعويض المتضررين، وإرجاع أموال الشعب التي نهبت في غفلة وفي ظل انتشار الفوضى واختفاء الدولة ومؤسساتها.

والبديل الآخر هو إدارة المعضلة الليبية وفق نظرية الإدارة بالأهداف تماماً كما حدث في البوسنة عندما منعت قوات الأطلسي وشرطته عمليات الانتقام والثأر، وشجعت قانون العفو العام، وفَعَّلَتْ أجهزة الشرطة والقضاء، وساعدت على بناء المؤسسات.

ما طبق في ليبيا معاكس تماماً حيث أطلقت أيدي الميليشيات وتجاهلت مشكلة تهجير ثلث الشعب الليبي وكل سكان تاورغاء وفتحت حدود ليبيا لتدفق عشرات الآلاف من الإرهابيين، والأسلحة من قطر وتركيا والسودان، وتساهلت سرقة الأموال المجمدة في الخارج، وسمحت بإعطاء رشاوى لدول لتقوم بتسليم رموز النظام السابق، ومكنت من وضع مئات الليبيين في قائمات الأنتربول، وتغاضت عن صدور قوانين وُصفت بأنها ضد أبسط حقوق الإنسان مثل قانون العزل السياسي الذي أفقد ليبيا أفضل كوادرها البشرية، والأخطر من ذلك أنها منعت تسليح الجيش الليبي حتى لا يتمكن من استئصال جذور الإرهاب لأن ذلك سيفشل مخطط الإدارة بالأزمة، وينهي سيناريو الفوضى الخلاقة وسرطنة نسيج المجتمع الليبي.

كاتب ليبي

9