ليبيا.. وإعادة إنتاج للفوضى الخلاقة

الخميس 2016/10/20

ارتبط تعبير الفوضى الخلاقة ارتباطا وثيقا بما يسمى ثورات الربيع العربي، بل إن التعبير لم يظهر إلا توصيفا لها، أو لعل هذه الثورات، لم تنطلق إلا تطبيقا لهذا التعبير الذي خرج من وزارة الخارجية الأميركية ليحدد مسار هذه الثورات، غير أنه مسار خادع ونتائج كاذبة، وتعبير سكته الإدارة الأميركية للتمويه، وليس لإحقاق حقيقة وتوصيف صادق لما حدث، وإنما لإضفاء لون مقبول لإحدى مؤامرات الغرف السرية، التي استغلت نقمة الشعوب على حكامها الطغاة، تحقيقا لمآرب بعيدة عما تريده هذه الشعوب، وأوكلت لتلك الغرف التي تتخصص في تصنيع الجريمة المعلبة الجاهزة للتصدير، مهمة إنجاز هذه الفوضى التي أسمتها خلاقة، وهي أبعد ما تكون عن الخلق والإبداع، لأن شعوب المنطقة لم تحصد من ورائها إلا المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، زادت عما كانت تعانيه تحت قمع وقهر حكامها.

وبعد أن قلت هذا الكلام، أقول أيضا إننا ماذا إذا استطعنا نحن شعوب المنطقة وصناع هذه الثورات، أن نصنع من حصاد الفوضى التي بين أيدينا شيئا ينتمي إلى الخلق والإبداع، ونجعل السحر ينقلب على الساحر، ونحيلها إلى عمل لصالح أهلنا وبلادنا ونهضة أوطاننا، فهو بالتأكيد أمر مطلوب، لو استطعنا إنجازه حقا، وامتلكنا من قوة الخيال ما يسعفنا على تحقيقه؟

هذا هو السؤال الذي أوحت لي به التطورات الأخيرة المتسارعة التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس في الأيام الأخيرة، لأنها جاءت لتصنع على أيدي الحراك السياسي نفسه، ما تمنت أن تصنعه فئات الشعب وما كانت تتطلع إليه، إلا أنها لم تكن تملك الأدوات لتحقيقه، فكانت تكتفي بالسخط والأنين من هذا الجمود الذي وصلت إليه الحياة السياسية في البلاد، فحصل تحريك هذا الجمود على أيديهم بأنفسهم، كجزء من صراعهم على السلطة وتحطيم بعضهم بعضا، على طريقة فخار يكسر فخارا.

وما يمكن أن نقوله عن مشاعر المواطن العادي، أي رجل الشارع في ليبيا، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، هو أنه يعيش حالة يأس وقنوط مما يجري، وقرف واشمئزاز من ممارسات الطبقة الحاكمة، وأسلوب إدارتها للبلاد، فقد تفاقمت الأزمات المعيشية، وتراكمت الخلافات السياسية، إلى حد لم يعد يستطيع المواطن احتماله ولا الصبر عليه.

لقد كان المواطن ينتظر مع كل تطور سياسي انفراجا على أيدي القادمين الجدد إلى المشهد، وآخرهم طبعا المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، التي رافقتها زفة دولية وإقليمية ومحلية ومهرجان من الألعاب النارية، وترحيب وتصفيق وزغاريد وأهازيج، باعتبارها تمثل الحل والأمل، ونهاية طريق الآلام والأحزان بالنسبة إلى الشعب، فهي عرس المصالحة الوطنية، وأس الاستقرار والأمان، وبداية التحول من الفوضى إلى النظام، ومن جحيم المرحلة الانتقالية إلى نعيم الاستقرار ومؤسسات الدولة، وأجهزتها القادرة على الإنجاز وفرض القانون واستتباب الأمن وارتفاع مستوى المعيشة، فإذا الأمور تحدث بشكل مقلوب ومعكوس، ولم ير الناس إلا المزيد من الانهيارات الأمنية والتدهور في مستوى المعيشة واختفاء العملة من البنوك وغياب المرتبات وانحدار قيمة الدينار الشرائية، حتى وصل بدل الدينار درهما في سوق البيع والشراء، وتحول الفرج الذي انتظروه، وتطلعوا إلى قدومه، مع قدوم المجلس الرئاسي في سفينة الخير والإنقاذ والبشرى، إلى ظلام وضنك وكرب وبلاء.

أما المصالحة التي بشروا بها مع الحراك السياسي في شرق البلاد، فقد أسفرت عن المزيد من الخصومة والشقاق، والفرحة التي رافقت مجيء مجلس الرئاسة وحكومة الوحدة الوطنية، صارت غمة تكتم على صدور الناس، يتضرعون إلى الله بأن تنتهي، لأن هذه الحكومة بوفاقها لم تكن إلا سحابا خلبا، وسرابا مثل سراب الصحراء الذي يظنه الظمآن ماء، وتركوا الناس ماء السراب والتفتوا إلى جهة أخرى ينتظرون أن يروا نهرا حقيقيا ينبثق في الأفق.

ولعلني شخصيا أصلحُ مثالا لمثل هذا المواطن، لأنني أقبلت بحماس أرحب بهذه الحكومة وأرجو لها التوفيق والنجاح، وكنت بالتأكيد سأصبر على الأزمة، لو أن هذه الحكومة التي أسموها حكومة الوفاق أو مجلسها الرئاسي وحراكها المالي والإداري، قدّموا أداء يبشر بخير، ويعطي أملا بانفراج الأزمة، ولكن مع مرور الأيام كان الأداء لا يزداد إلا سوءا، وحتى ما تطلعنا إليه من توافق بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب في طبرق تبخر وضاع في الهواء، وأفصح مجلس النواب، وهو الجهة الوحيدة المخولة بشرعنة هذه الحكومة، عن امتناعه ورفضه لفعل ذلك، وعبّر عن احتجاجه على أسلوب المجلس الرئاسي في إدارة الأزمة، وارتهانه إلى جماعات الإسلام السياسي، وسقوطه تحت تأثير الميليشيات غير المنضبطة، وأنه لن يصادق على أيّ حكومة يقترحها هذا المجلس، مما جعل حال البلاد معلقا، وجعل المجلس الرئاسي في حالة انعدام وزن، لا يجد أرضا يقف عليها ويمارس من فوقها مهامه في إدارة البلاد، وأضحى عاجزا عن إدارة حتى المبنى الصغير الذي يتخذه مقرا في طرابلس، بدليل أن حراسه أنفسهم، تخلّوا عنه منتقلين إلى الصف المناوئ له.

ولهذا فإن المواطنين العاديين، وأنا أحدهم، ينظرون بعين الرضا إلى المسرحية العبثية التي تحدث في طرابلس، والتي تهدف إلى سحب البساط من تحت المجلس الرئاسي، ولأنه لا يملك بساطا وإنما قاربا دخل به إلى المشهد السياسي، فسيتمّ سحب أرضية القارب ليسقط في قاع اليمّ، ولتعود أشباح الماضي وغيلانه لاحتلال المباني الحكومية، وعملية خلط أوراق تفسد اللعبة كلها وهدم لقصور تم بناؤها فوق الرمال كذبا وزورا، آن لها أن تنهار وتسقط، لكي تتيح الفرصة لبناء جديد حقيقي، له أسس صلبة، ترمز ربما إلى قوات مسلحة تدخل على المشهد وتعيد ترتيبه بما ينهي العبث والفجور والإجرام، وتحقق انبعاث دولة من ركام الفوضى ورماد الفشل والاحتراب.

كاتب ليبي

9