ليبيا والإسلام السياسي

الخميس 2013/12/05

لابد من القول أن الشعب الليبي شعب عميق الإيمان قوي الصلة بربه وإسلامه، إلا أنه إسلام الوسطية والاعتدال، ويكره الغلو والتطرف، ولم يعرف ما يسمى الآن الإسلام السياسي، كحضور فاعل أو تيار ينافس التيارات السياسية الأخرى. فقد تربي المواطن الليبي على الفصل بين إيمانه وتدينه، وبين خوض الحياة السياسية التي يتركها للسياسيين، حتى لو كانوا من أهل الدين، فلم يكن وجودهم كشخصيات سياسية يحمل انعكاسا لأي نوع من الهوية الإسلامية التي يحملونها.

وعرف التاريخ الليبي مثلا شخصيات دينية قادت النضال الوطني، وقد يسمونه جهادا ولكن ليس بالمعنى الديني، وإنما لاستثمار الإيمان في الحمية الوطنية والعقيدة النضالية، وليس لطرحه كنظرية للحكم أو للممارسة السياسية، وأضرب مثلا هنا شخصيتين من قادة البلاد في مرحلة الكفاح المسلح ومرحلة الاستقلال، هما شيخ الشهداء عمر المختار، ورئيس الدعوة السنوسية الذي أصبح أول ملك للبلاد إدريس السنوسي، فكلاهما شخصية دينية فرضت عليه ظروف البلاد الانخراط في العمل النضالي والسياسي، فقاد عمر المختار جيش المقاومة الشعبية من أجل الاستقلال، دون أن يسمع له العالم كلاما عن دولة دينية ولا شريعة إسلامية يريد تطبيقها، وكان كل ما يطالب به هو جلاء المحتلين الإيطاليين عن ليبيا، وأن تنال استقلالها عنهم لكي تدير شؤونها بمعرفة أهلها، والتزم في نضاله بأخلاقيات وقواعد النضال الشريف النبيل، فلم يفعل ما يفعله الجهاديون المعاصرون من استهداف المدنيين، أو اعتبار من يتبع جنسية المحتل سواء كان رجلا أو امرأة هدفا دون تفريق بين عسكري ومدني. فكان خلال سنوات نضاله التي بدأت قبل استعمار ليبيا عام 1911 في السودان الفرنسي، أي تشاد الحالية، مكافحا ضد الفرنسيين، لا يشتبك اشتباكا مسلحا إلا مع عساكر المستعمرين، وهو ما فعله عندما حارب الإيطاليين فلم يعرف عنه أنه استباح دم مواطن إيطالي إلا إذا كان عسكريا في أرض المعركة، مع أن الإيطاليين كانوا قد بدأوا في تعمير مزارع في الجبل الأخضر، مقر جيشه ومركز عملياته.

والثاني هو الملك إدريس السنوسي الذي كان بالاختيار الشعبــي زعيما سياسيـــا يقود المعركة السياسية، مع الإيطاليين ثم مع دولة الانتداب البريطاني، فلم يخلــط بين هدف الاستقلال وهدف إنشاء الدولــة الدينية.

وعندما تحقق الاستقلال وتم التوافق عليه من قبل كل الليبيين ليكون حاكما، لم يأت على ذكر الدولة الدينية، وكان قلبا وقالبا مع الدولة المدنية ودافع عن وجودها، ووجود مجتمع مدني وحياة عصرية، ودولة تحتضن عددا من الجاليات الأجنبية تتمتع بكامل حقوقها، وتتساوى مع أهل البلاد أمام القانون؛ جالية يهودية وأخرى إيطالية، وهناك أيضا بعض الجاليات الصغيرة كاليونانية والمالطية والشركسية والأرمنية، خاصة في العاصمة طرابلس.

واتخذت الحياة في هذه المدينة وغيرها من مدن ليبية نسق الحياة في الحواضر العصرية بكل ما تعرفه مدن العصر الحديث من الملاهي الليلية والحانات والفنادق التي تحتوي صالات القمار، وكان الملك السنوسي يقف مدافعا عن طبيعة الدولة المدنية إزاء أصوات تميل إلى التحفظ والنظرة الدينية المتزمتة والمطالبة بتطبيق الحدود.

هذا هو موقف زعماء البلاد ذوي المنشأ الديني، فما بالك بمن هو أصلا من أهل الحراك المدني والحقوقي، وإذا كان لي أن أتمثل شاعر الوطن عندما يقول «ويكفيك أن العبد لله منهم، وهو عليهم في القياس دليل»، واتخذ نفسي مقياسا ودليلا على طبيعة المواطن الليبي في الاعتدال والوسطية عند تعامله مع دينه الإسلامي، أقول إنني تربيت في عائلة شديدة التدين، تنتمي لسلالة من الفقهاء، كان آخرهم جدي الذي تسميت باسمه الفقيه أحمد، الذي كان معلما للقرآن في الزاوية التي أنشاها محمد علي السنوسي، وتطبع أبناؤه وبناته جميعا بطبعه في الالتزام الديني، ولم أر أو أسمع من قريب أو بعيد أن أحدا منهم استغل وضعه الديني أو تقواه استغلالا في عمل وظيفي أو سياسي.

وقد عرفت البلدة انتخابات مجلس بلدي كان الناس يتقدمون له بالجدارة والاستحقاق، وليس باستغلال مكانة دينية، في تفريق واضح وفصل كامل بين الدين وتسخيره لأي عمل دنيوي منصبا أو تربحا. بل يعتبرون مثل هذا الخلط إفسادا لدينهم تأباه النفوس الكريمة ولا تقبل به الفطرة السليمة.

ولابد أن ننظر إلى الفترة الانقلابية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود، باعتبارها فترة استثنائية، كان كل شيء فيها يقوم على الإرغام والإجبار، الذي لا وجود فيه لاختيار ولا لإرادة حرة يمارسها الشعب، ولذلك فمن الصعب اعتمادها دليلا أو مرجعـــا لأي شيء يعبر عن هـــذا الشعب وطبيعته، رغم اعترافنا بأنها جزء من التاريخ الليبي لا يمكن إنكاره، تماما مثل ما كان الحكم الإيطالي لليبيا تاريخا، فكذلك كان حكم الطاغية، وبمثل ما يمكن أن نضرب الأمثلة بعمر المختار وإدريس السنوسي كمثال للتوجه الوطني الليبي، فإننا لا نستطيع ولا يمكن ولا يستقيم مع الحقيقة والتاريخ أن نضرب الأمثلة بممارسات جرسياني أو دي بونو أو بادوليو أو كانيفا - وهم حكام إيطاليا في ليبيا - على أنها تمثل الشعب الليبي أو تنفع للتعبير عن خصاله وخصائصه، وهذا ما ينطبق على الطاغيـــة الليبي، فلا يمكـن لممارساته الشاذة الغرائبية، أن تكون تعبيرا عن الشعب أو تمثيلا له، مع أنه أكثر الناس استخداما لكلمة الشريعة الإسلامية واعتبار القرآن شريعة المجتمع، ولكن كل ما كان يفعله تشويها للحقيقة ومسخا لها، وجزءا من مسرحية هزلية مضحكة مبكية، ولكن هذا المسخ ترك - بعد زواله - إرثا تعاني منه ليبيا الآن، فترى كيف ولدت هذه الجماعات التكفيرية القادمة من تورا بورا، التي دخلت على المشهد السياسي والثوري في ليبيا، تبغي أن تتسيد عليه، وتدخله إلى كهوفها المعتمة، المليئة بشبكات الرتيلاء وغناء وطاويط الظلام، وهذا ما يستحق مقالا مستقلا.

كاتب ليبي

9