ليبيا والاستعانة بصديق

الخميس 2014/07/24

خصص مجلس الأمن خلال الأسبوع الماضي، جلسة تشاورية تناول فيها الوضع الليبي، بمناسبة الصدامات الأخيرة التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس، بين ميليشيات خارجة عن الشرعية تحاول السيطرة على المشهد السياسي، دون اعتبار للمسار الديمقراطي، أو انتظار نتائج الاستحقاق الانتخابي الأخير الذي تم إنجازه تأسيسا لمجلس نواب مؤقت، يستلم السلطة من المؤتمر الوطني العام، ودون اعتبار لما تقوله الحكومة ووزارتها الخاصة بالدفاع، فالشهية للسلطة والتربح، وتلبية الأجندات السوداء الخارجية، والمصالح الجهوية العشائرية، والعزة بالإثم التي تغذيها غزارة السلاح وقوة النيران، وغياب العقل والولاء الوطني، وضعف الحس الإنساني السليم، ارتفعت إلى وتيرة غير مسبوقة، تهدد البلاد بالدخول في حرب أهلية.

من هنا جاءت الحاجة لانعقاد هذه الجلسة التشاورية لمجلس الأمن، للنظر في الحالة الليبية، ومناقشة شتى جوانبها، بحثا عن طريق للإنقاذ، وقد حضر هذه الجلسة عن الجانب الليبي، وزير الخارجية محمد عبد العزيز، الذي قدم عرضا موفقا، نال استحسان فئات كثيرة من الشعب الليبي، عكسته تعليقات الصحف، ومواقع التواصل في الأنترنت، وأنقل فقط مثالا لتعليق كتبه الناشط السياسي الأستاذ محمد بويصير، الذي كان دائما يعبر عن عدم رضاه عن الأداء الهزيل للحكومة وأعضائها، ولكنه لأول مرة يجد موقفا من وزير ليبي، يحظى بالإشادة والإطراء والقبول، فقال في تقييمه لخطاب الوزير في جلسة مجلس الأمن ما يلي:

«السيد محمد عبد العزيز، إنك رجل شجاع. أرفع لك قبعتي. أنت وضعت العالم أمام مسؤولياته بكل وضوح وصراحة، وبدون مكياج. لن ينسى لك التاريخ هذا الموقف الشجاع، وقد تكون هذه هي الصرخة الأخيرة».

قدم الوزير عرضا للحالة الليبية الراهنة، وطلب العون والمساعدة، ولكنه وقف قبل أن يطلب تدخلا دوليا في حماية المدنيين من تغول الميليشيات الشعبية، لأنه لم يكن يملك تفويضا بذلك من حكومة دولته، ولكن هذه الحكومة قالت في بيان لها، ثم في تصريح لرئيسها السيد عبدالله الثني، إنها تفكر جديا، في التقدم بطلب رسمي إلى الأمم المتحدة، بالتدخل لإنقاذ البلاد من تواتر الصدامات المسلحة بين الميليشيات، التي ينتج عنها تدمير ممتلكات الدولة، وإهدار دم المدنيين، والتهديد بإدخال البلاد في حرب أهلية.

ورغم تحفظات بعض الناس على أي نوع من التدخل الأجنبي في ليبيا، خاصة العسكري منه، إلا أن الأغلبية التي تنشد الأمان والاستقرار، تطالب بالتعجيل بهذا التدخل، شرط أن يقتصر على الهيئة الأممية، فليبيا- كما يعلم الجميع- لها تاريخ مع هذه الهيئة التي أشرفت على ولادة دولتها الأولى في مطلع الخمسينات، وكانت هي التي قررت استقلال البلاد، ثم هي التي عادت إلى معاونة ليبيا في الخلاص من الديكتاتورية، والانتصار في المنازلة الشعبية ضد النظام القديم.

وكان لابد أن تكمل اليوم، مهمتها في إزالة الآثار السلبية لتلك المنازلة، ويأتي على رأس الأولويات المطلوب إنجازها عبر هذا التدخل الأممي، شيئان هما تخليص ليبيا من السلاح الخارج على سلطة القانون والدولة، وإنهاء الميليشيات والجماعات المسـلحة الخـارجة عن سلطة القانون والدولة.

مهمتان لا ثالث لهما، تنتهي بانتهائهما أزمة ليبيا، وتجعل الطريق سالكا، آمنا، نحو بناء الدولة المدنية الدستورية الحديثة، التي ينشدها الشعب الليبي، بعد أن عاش محروما من هذه الدولة لمدة تزيد عن أربعة عقود.

يشكك الكثيرون في جدوى التدخل القادم من الأمم المتحدة، بسبب سجل حافل بالفشل في حالات سابقة، ولكنني أقول أنه في الحالة الليبية سيكون مكللا بالتوفيق والنجاح، إذا تم التوصل إلى صيغة متكاملة تأخذ في الاعتبار عددا من العوامل المتداخلة.

المعلوم أن للأمم المتحدة أسلـوبا في وضع قوات تسمى أصحاب القبعات الزرقاء، ذات عدد محدود، وفعالية محدودة، يتم انتدابها من عدة جيوش، وهو أمر مقبول ولا يشكل تهديدا لسيادة أي بلـد، ولا يثير حفيظة أحد لأنه عمل عسكري أممي رمزي، وبقوة قد لا تزيد عن ألف أو ألفي عسكري، ستكون مهمتها الإشراف على استـلام السلاح وتفكيك الميليشيات واستلام مقراتها، وكذلك المساعدة في عملية انخراط بعض أعضاء هذه الميليشيات في الجيش، وبشكل فردي.

ضمان الجدوى والفعالية لهذا الإجراء يقوم على أنه يجب، بالضرورة، أن يأتي مرفوقا مع بعض القرارات أهمها تلك التي تمنع وجود السلاح، وتمنع وجود الميليشيات، وتحرّم وتجرّم ذلك دوليا، لتتبع هذه القرارات مرحلة تنفيذها سريعا عن طريق قوة القبعات الخضراء، ثم توجيه نداء واضح وصريح للدول والقوى التي تتدخل في الشأن الليبي وتؤيد الميليشيات الأيديولوجية علنا وتمدها بالمال والسلاح، بأن ترفع يدها عن ليبيا.

وأن يتم تجريم مثل هذا التدخل وسحب أي قوات أو شخصيات لها في هذا السبيل. كما يقتضي هذا الإجراء قرارا آخر بإصدار الإنتربول أوامر القبض على شخصيات معروفة بانتمائها لجمعيات إرهابية وعليها أحكام في دول أخرى، وإعلان هذه الأسماء والتوجه للقبض عليها سواء كانت عناصر ليبية أو غير ليبية.

وهناك كما يعلم الجميع عناصر من جنسيات مختلفة ربما أشهرها مختار بن مختار الإرهابي الجزائري الموجود الآن في ليبيا يقود إحدى هذه الميليشيات، وعناصر مصرية أقامت معسكرا لمعارضي النظام المصري في الجبل الأخضر، كما تقول التقارير الإخبارية، ولعلها كانت وراء الهجوم على نقطة حدودية منذ ثلاثة أيام وقتل 23 عسكريا، كما يمكن إضافة العناصر التي هاجمت في الأيام الماضية مطار طرابلس ودمرت منشآته وحطمت الطائرة الرابضة فيه وعطلتها على الطيران.

كان شرط الليبيين في الاستعانة بالأمم المتحدة، وأداتها الناتو، أيام الاحتراب مع كتائب القذافي، هو ألا تكون هناك أقدام عسكرية فوق الأرض، وهنا أيضا يمكن الحديث عن الاستعانة بطائرات من دون طيار، وأخرى من نوع الأباتشي للمساهمة في تطبيق هذه القرارات ومعاونة القوة المكلفة بتسليم السلاح وتفكيك الميليشيات، في عملها، وهي قوة تكون عمادها عناصر عسكرية ليبية، تحت إشراف جنود وضباط الأمم المتحدة، وتحت رايتها وراية الاستقلال الليبية، وبدعم تقني ولوجستي دولي وغطاء جوي.

هذه هي العناصر الأساسية للصيغة التي يتم على أساسها التدخل الدولي لحماية المدنيين، وإنقاذ ليبيا من «لوردات» الحرب وميليشياتها. وهي عناصر قابلة بالتأكيد للإضافة والمراجعة والإثراء، وهو ما سمحت به المساحة هذا الأسبوع، وقد أرى إضافة بعض العناصر الثانوية التي تسهم في إنجاح هذه الخطة في مقال قادم.


كاتب ليبي

8