ليبيا والتدخل الأميركي ضد داعش

الخميس 2016/08/11

ليس جديدا أن فرقا مسلحة غربية، أميركية وبريطانية وفرنسية، كانت تقوم بعمليات نوعية داخل التراب الليبي، ضد العناصر الإرهابية، وبعض هذه العمليات كانت تصل إلى الإعلام ويتم الإعلان عنها مثل قصف الطائرات من دون طيار لمواقع في درنة، ومثل الغارة الأميركية على وكر من أوكار داعش في صبراتة لأنه كان يخطط لعمليات إرهابية في تونس، بالإضافة إلى عمليات نوعية للقبض على قيادات ليبية عملت في القاعدة وأُخذت لكي تواجه العدالة في الولايات المتحدة. ولهذا فإن تصريح رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، بأن أميركا تشارك في عمليات قصف لأوكار داعش في سرت، مقتصرة على الضربات الجوية، بناء على دعوة تم توجيهها من الحراك القيادي في طرابلس ومجلسه الرئاسي إلى قوات التحالف الدولي، كان مجرد إقرار بحقيقة واقعة وإعطاء غطاء شرعي للعملية التي كانت تتم خارج هذا الغطاء.

أثار الإعلان لغطا في ليبيا، وارتفعت أصوات تعارض، سواء على مستوى الشارع أو على مستوى جماعات سياسية كما هو الاحتجاج الصادر عن الحراك السياسي في شرق البلاد بقيادة مجلس النواب، واحتجاجه لا ينصب على المبدأ ذاته، أي مبدأ الاستعانة بجيش أجنبي للمنازلة ضد داعش، وإنما لأن المجلس الرئاسي ليس جهة مخولة لإصدار الدعوة أو للسماح بمثل هذه الاستعانة، لأنه اختصاص من حق مجلس النواب المنتخب من الشعب مع أنه انتخاب صار ينتمي إلى الماضي أكثر مما ينتمي إلى الحاضر، فكل الأجسام المنتخبة سابقا صارت الآن خارج نطاق الشرعية وانتهت مدتها وصلاحيتها، ولكن بقدرة قادر مازالت تعيش وتعمل وتتحرك وتتنفس بما في ذلك المؤتمر الوطني الذي انتهى منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

وهناك جهة أخرى ذات طابع ديني ترفع صوت المعارضة بقوة إلى حد إرسال المتظاهرين في الشوارع والمطالبة بإسقاط المجلس الرئاسي، هي دار الإفتاء ورئيسها المفتي الصادق الغرياني الذي يملك أتباعا صاروا يمنحونه حق القداسة باعتبار أن ما يقوله ليس اجتهادا بشريا ظنيا يحتمل الخطأ والصواب ويمكن الاختلاف معه، وإنما كما جاء في تدوينة القيادي الإخواني عبدالرزاق العرادي الذي قال إن المفتي يوقع نيابة عن رب العالمين، وحكمه على المسائل هو حكم الله، مقتديا بما يقال عن ولاية الفقيه كما كان الحال مع آية الله الخميني في إيران.

عدا ذلك فإن قرار محاربة الإرهاب هو قرار إستراتيجي أميركي غربي، لا ينتظر بالضرورة موافقة أحد من أهل السيادة في المناطق التي ينبع منها الإرهاب، فكما هو شائع في الإعلام الآن من أن الإرهاب النابع من ليبيا طال كل البلدان المجاورة، فقد فاض على تونس التي تقول إن كل العناصر التي قامت بعمليات فوق أرضها حتى وإن كانت عناصر تونسية تلقت تدريبها في ليبيا واخترقت الحدود الليبية لتقوم بعملياتها ثم تهرب إلى ليبيا لتجد الحماية وحرية العمل، وهو ما حصل في الجزائر التي كثيرا ما اجتاز جيشها الحدود إلى الداخل الليبي في مطاردة عناصر إرهابية بعضها بقيادة إرهابيين جزائريين يتخذون من ليبيا قاعدة لانطلاقهم مثل الإرهابي مختار بلمختار.وهناك حوادث إرهابية كثيرة حصلت في مصر مثل حادثة واحة الفرارة، التي كان مرتكبوها قادمين من ليبيا، ووصل الأمر إلى عمليات في الأردن قام بها إرهابيون انطلقوا من ليبيا وعندما تم القبض على أحدهم قامت إحدى الميليشيات المرتبطة بالإرهاب بخطف السفير الأردني ومبادلته بالإرهابي السجين.

ومن هنا يقول المدافعون عن التدخل الأجنبي في محاربة الإرهاب في ليبيا، إنه إرهاب وصلت أذرعه الطويلة إلى مناطق في شرق العالم وغربه، فكيف لا يكون للمتضررين منه الحق في الذهاب إليه في منابعه واستئصاله، وهو منطق لا يمكن الاعتراض عليه، ولا أرى أن هناك في الرأي العام الليبي أحدا غير القوى التي ذكرتها والتي لا تمثل إلا فئة قليلة، يعترض على مثل هذا التدخل الذي يقتصر على الضربات الجوية دون وجود اشتباكات على الأرض، فهي اشتباكات تقوم بها وحدات عسكرية ليبية، حتى وإن لم تنتظم بعد في جيش نظامي، ولكنها تدين بالولاء للدولة وللمجلس الرئاسي وتعمل تحت إمرته وبناء على تعليماته ووفق ما يرسمه من إستراتيجيات، وهي كما يعلم الجميع، تعمل بمعزل عن الجيش الرسمي الموجود في شرق البلاد، إلا أن المساعي تبذل على قدم وساق للتقريب بين الاثنين، والوصول إلى صيغة لاستيعاب الحراك العسكري الشرقي والحراك العسكري الغربي في جيش واحد.

لا خلاف في ليبيا على المعركة ضد داعش، ولا اعتقد أن هناك كبير خلاف على أن داعش يمثل سرطانا يستشري في جسد العالم، ومن حق العالم كله أن يشترك في المعركة ضده من أجل استئصاله، إنه مثل أي وباء لا مجال للاعتراض على أي جهد من أي طرف في العالم يسهم في إنهاءه، ولذلك فإن الحديث عن السيادة الوطنية في هذا السياق حديث زائد على الحاجة، فأي سيادة في مواجهة إرهاب لا يوفر أحدا ولا يملك حرمة لأحد، ويستبيح الدم الليبي كما يستبيح دم الأجانب، ودم المسلم قبل دم غير المسلم، والحرب ضده دائرة منذ أمد، تخوضها تحالفات دولية وعربية وإسلامية في اليمن وفي سوريا وفي العراق، فليس غريبا أن تنضم ليبيا إلى هذا التحالف، بل الغريب هو أن تبقى بعيدة عنه، تحرم نفسها من عون يأتيها من الخارج يقتصر على ضربات جوية وعمليات لوجستية واستشارات عسكرية، بينما يتحمل العبء الأكبر في المعركة أبناء ليبيا الذين يبذلون الأرواح ويقدمونها من أجل تطهير الوطن من هذا الوباء.

كاتب ليبي

9