ليبيا.. والشرعيات الثلاث

الخميس 2016/09/15

الوضع الحالي في ليبيا بعد سيطرة القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة الفريق خليفة حفتر على الهلال النفطي، يكشف عن سباق محموم بين شرعيّات ثلاث، تنطلق جميعها من اكتساب مواقع جديدة على الأرض بدعم دولي أو من دونه، لأجل تبرير أحقيّتها في الحكم، الأمر الذي أوقع حكومة فايز السراج ومعها بعض الدول الغـربية، ومجلس الأمـن والمبعوث الأممي، في أخطاء قـاتلة، من أهمهـا: الـدفاع عن سلطة مقبولة دوليا ومرفوضة من أغلبية الشعب الليبي، ناهيك عن محاربة جماعات إرهابية مثـل داعش، والتحـالف مع ميليشيات مسلحة معادية للجيش الليبي الرسمي.

الشرعيّة الأولى، مُتمّثلة في مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح، الذي أكّد “أن التدخل العسكري الذي قام به الجيش الليبي أتى بتفـويض من المؤسسات الرسمية، ومن كل أطياف الشعب الليبي.. وأن الهدف تحرير المواقع النفطية من حقول وموانئ من محتلي ومعرقلي تصدير النفط الليبي”.

الشرعيّة الثانية، تظهر على الأرض وتجسدها القوات المسلحة بقيادة خليفة حفتر، وتحظى بتأييد قطاع عريض من الشعب خاصة في المناطق النفطية، كما يساندها عدد من القبائل، سواء التي تحركها الجغرافيا بحكم وجودها في مناطق النفط، أو تلك التي تحركها الحاجة الاقتصادية والظروف المعيشية، أو الأخرى التي تتحكم فيها الحسابات القبليّة في ظل انهيار كامل لمؤسسات الدولة.

الشرعيّة الثـالثة، تجسدها حكـومة الوفاق الوطني، وهي السلطة المعترف بها دوليا، ولها أيضا نسبة من التأييد الشعبي ولكنها غير قادرة على الذهاب بعيدا، ليس فقط لعجزها البيّن، وإنما لسببين آخرين، الأول: أنها لم تلتزم بما جاء في اتفاق الصخيرات، والثاني أنها مٌتَّهمة من المعارضة بخدمة الأهداف الخارجية على حسـاب المصالح الوطنية، وأنهـا حكومة الأمم المتحدة أكثر منها حكومة الشعب الليبي.

الشرعيّات الثلاث السَّابقة الذكر رغم التنافس الظاهر بينها في الوقت الراهن، إلا أنها ستنتهي بعـد سيطرة الجيش على منابع النفط إلى شرعيَّتين فقط، الأولى: سياسية وهي حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليا، والثانية مكونة من القوة العسكرية والاختيار الشعبي ممثلا في البرلمان، وقد ظهر تحالفهما خلال الأيام الماضية، ويمكن الاستناد في ذلك إلى قول عقيلة صالح “ما جرى خلال الأيام الماضية شأن ليبي مثله مثل التوافق حول من يحكم ليبيا”، وهذا لا يعتبر فقط ردا على مطالب خمس دول من الكبار لقوات حفتر بالانسحاب من الموانئ، كما ذهب إلى ذلك المراقبون، وإنما هو أبعد من ذلك، حيث يختصر الـدولة الليبية الراهنة في الجمع بين السلطتين العسكرية والتشريعية من جهة، والسلطة السياسية بقيادة فايز السّراج من جهة ثانية، وهذا سيعمق الخلافات مستقبلا.

إذن بعد تمكن الجيش من السيطرة على الهـلال النفطي، أو تحـريره، وإعـلانه عـن عدم إداراته للمؤسسات النفطية، وأنها ستكون حصرا للمؤسسة الوطنية للنفط، وهي ستلتزم بالعقود المحلية والأجنبية، أصبح في مواجهة مباشرة مع حكومة الوفاق الوطني، لأنه سيحرمها من الدعم المالي عبر تصدير النفط، لكن ما هو المزعج للمجتمع الدولي في هذا الشأن الليبي الخاص؟

واضح أن عودة الثروة النفطية إلى الشعب الليبي تُشكّل إزعاجا للدول الكبرى، والأكثر من هذا أن الحرب التي قامت في ليبيا، وكانت نتيجتها إسقاط نظام معمر القذافي، لم تحقق نتائجها من الناحية الإستراتيجية، حيث كان الهدف النهائي هو تقسيم ليبيا، وحين يعود الجيش الليبي اليوم لمحاربة الجماعات الإرهابية وجماعات الفساد ويعمل من أجل دفع البلاد نحو الاستقرار، فيواجه بهذا الشكل فهذا معناه أن الدول الفاعلة والمؤثرة على الساحة الليبية لا تريد لها استقرارا، بل إنها تحول دون ذلك.

وطبقا للوقائع والأحداث والمعلومات، فإن هناك تذمرا شبه عام من التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، وتعتبره بعض الأطراف المحليّة إرهابا دوليا، خطورته في صعوبة مواجهته على الأرض، ومن هنا يمكن قراءة البيان الذي أصدرته الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وأسبانيا، وطالبت من خلاله الجيش الليبي بقيادة حفتر بالانسحاب من منطقة الهلال النفطي دون شـروط مسبقة، ووقف فوري لإطلاق النار بين القوى المتقاتلة، والامتناع عن أيّ أعمال عدائية أخرى، وضرورة تجنب ما من شأنه أن يضرُّ البنية التحتية للطاقة في ليبيا.

تلك الدول في بيانها تساوي بين الميليشيات الإرهابية وبين الجيش الليبي، بل إنها تنتصر في النهاية للجماعات الإرهابية، ولجماعات الفساد المتحكمة في النفط، كما تنتصر لقوات حرس المنشآت النفطية، في السدرة ورأس لانوف والزويتينة والبريقة، المدعومة من طرف حكومة الوفاق، بحجة منع ما اعتبره مجلس الأمن صادرات نفط غير مشروعة، واعتبرت الدول الغربية في بيانها أن البنية التحتية النفطية وإنتاج النفط وتصديره يجب أن تظل تحت سيطرة المؤسسة التابعة لسلطة حكومة الوفاق الوطني.

شرعيتا الجيش والبرلمان، كما رأينا سابقا، مرفوضتان من الدول الغربية الفاعلة، وهما مرفوضتان أيضا من المبعوث الأممي، مارتن كوبلر، الذي عبّر عن قلقه الشديد بسبب القتال حول الموانئ النفطية، ودعا القوات التي سيطرت على الموانئ إلى الكف عن أيّ تصعيد عسكري جديد، ذلك لأن “الهجمات على الموانئ النفطية تزيد تهديد الاستقرار وتؤدي إلى انقسام أكبر للبلاد.. وتحد من صادرات النفط بشكل أكبر وتزيد معاناة الناس”.

بجانب هذا نجد الموقف التركي، المتطابق مع بيان الدول الغربية ومجلس الأمن والمبعوث الأممي والذي نص على أن “الاعتداء على منطقة الهلال النفطي يعد تحديا صريحا لحكومة الوفاق الوطني الليبية ومن شأنه زعزعة الاستقرار في البلاد”، وتركيا في موقفها هذا تساند موقف المجلس للرئاسي التابع لحكومة الوفاق الوطني، الذي اعتبر الجيش الليبي “مجموعات مسلحة أجنبية وقوات خارجة عـن الشرعية، وغيرها من المرتزقة المأجورين”.

الصدام بين الشرعيات ستتوسّع دائرته وسيزداد، وسيُساند المجتمع الدولي حكومة الوفاق، ونتيجة لذلك ستتواصل الحرب، وستكون مكلفة لكل الأطراف، لكن بعد الدعم الشعبي الذي تلقته القوات الليبية بقيادة خليفة حفتر، فإن الكفة ستميل لصالح شرعية جديدة، شرعية عسكرية مدعومة شعبيا، وليبيا في هذه الحالة ستكون ضمن السياق العام لدول العالم والمنطقة، حيث الجيوش هي الحامية للشعوب وليست الحكومات المدعومة من الخارج. إنه زمن البحث عن الأمان، حتى لو جاء عن طريق دبابات العسكر.

كاتب وصحفي جزائري

9