ليبيا والموجة المعاكسة للإرهاب

الخميس 2014/11/06

بدأ ما سمي بثورات الربيع العربي، تيمنا بربيع براغ الذي قاده الغرب ضد اﻻتحاد السوفييتى في الحرب الباردة، وفي حين كانت تشيكوسلوفاكيا نقطة البداية كانت تونس أول محطة لهذا الحراك أواخر 2010 حيث أسقط زين العابدين بن علي، وقفزت حركة النهضة إلى الحكم لتختزل نضاﻻت الشعب التونسي من أيام اﻻستقلال وحتى اليوم في تجريم الرئيس وتحميله كل إخفاقات الدولة، وأكثر من ذلك إرجاع كل هذه المشاكل إلى اﻻبتعاد عن الإسلام كما تفهمه النهضة، وأن الحل لمشاكل البطالة والفقر والديمقراطية والتنمية، يمكن أن يتم برفع شعار حركة النهضة “الإسلام هو الحل”.

بعد كل هذا التهريج والهرطقات السياسية والشعارات الرومنسية وانتهاء حمّى تجميد الأرصدة المهربة إلى الخارج، والتي تكفي لحل مشاكل تونس لخمسين عاما قادمة، انقشع الغبار واكتشف التونسيون أنهم كانوا في عرض بهلواني تنظمه مجموعة من السحرة الذين ليس لهم القدرة إلا على تهييج البسطاء عندما تنطفئ الأنوار، تماما كما يفعل فيصل القاسم في برنامج اﻻتجاه المعاكس، وأن الشباب التونسى قد يستجيب لتهييج قناة الجزيرة وشبكات التواصل اﻻجتماعي الموجهة لحرق مؤسساته وتعطيل برامج التنمية، ولكن تلك الأدوات التحريضية ﻻتستطيع خلق فرص عمل أو تسرع عمليات النمو في تونس.

ثم انتقلت هذه الموجة إلى مصر وهنا قفز الإخوان المسلمون على المسرح السياسي في انتهازية مفرطة، كما عادتهم، واختزلوا ثورة الشباب في شعار “الإسلام هو الحل”، وهيمنوا على مقاليد الدولة وبدؤوا في تنفيذ أجندتهم الجديدة-القديمة وهي اﻻنتقام من الأجهزة الأمنية المصرية وفي مقدمتها الجيش، ولقد تزامن ذلك مع ظهور عامل جديد، وهو بزوغ تركيا العثمانية التي ﻻيروق لها أن تلعب مصر دورا إقليميا، فتحالف إخوان مصر مع أردوغان ليتحول الحراك الداخلي في مصر إلى حراك أممي للإخوان المسلمين.

بدأت مصر الوسطية والمسالمة تتحول إلى مخزن للأحقاد والتشفي، حتى تبين للشعب المصري وقواته المسلحة حجم المؤامرة التي تستهدف تقسيم مصر وتحويلها من ﻻعب إقليمي، إلى عصابة تدار من طرف دول كرتونية ﻻ يتجاوز حجمها أحد أحياء مدينة نصر.

ورغم كل هذه التحفظات على مسيرة التغيير في تونس ومصر، فإن من قام بهذا الحراك هم جزء من الشعب، وبهذا فهو عمل داخلي حاولت بعض القوى اﻻنتهازية سرقته، واستطاع كلا الشعبين تدارك حجم المؤامرة وإعادة الأمور إلى نصابها بنفس الآلية التي حاول بها الإسلاميون الالتفاف على ذلك التحول وهو صندوق اﻻقتراع والديمقراطية، التي هي أبعد من المريخ عن الأرض بالنسبة لهم.

ضغط الشعب المصري على مؤسسته العسكرية حتى أنهت المهزلة، وتمكنت القوى الشعبية في تونس من إجبار النهضة على التراجع إلى الخلف، وانتهت المسرحية الهزلية في كل من مصر وتونس وبقي الضلع الثالث وهو ليبيا لهذا المخطط الأممي الذي يحاول إرجاعنا خمسة عشر قرنا إلى الوراء، في وقت تتقدم فيه البشرية بخطى ثابتة نحو استكمال الخارطة الجينية للقضاء على الأمراض المستعصية وإطالة عمر الإنسان.

إن إزالة هذا الورم الخبيث من ليبيا، سيكون عملا معقدا وصعبا بل إن درجات المخاطرة ستكون عالية جدا، لأن ليبيا لا تمتلك مؤسسة عسكرية قوية قادرة على وضع خطوط فاصلة بين التفاعل السياسي والتآمر على الأمن الوطني، كما هو في مصر خاصة بعد أن تعرضت لتدمير ممنهج من طرف حلف الناتو لأكثر من ستة شهور متواصلة، ثم حلّ ما تبقى منها تطبيقا للنموذج العراقي. وأيضا ليس بها قوى وطنية متمرسة تستطيع إيقاف اﻻنهيار مثلما حدث في تونس، والسبب في ذلك يرجع إلى أسباب مختلفة تعود إلى بداية الاستقلال عام 1952 عندما ألغى الملك أول انتخابات تشريعية وألغى الأحزاب ونفى زعيم المعارضة في ذلك الوقت بشير السعداوي كإعلان عن إلغاء الرأي الآخر، ثم استمر هذا الوضع وتعمق حتى سقوط النظام السابق عام 2011. ولهذا فإن إنقاذ ليبيا سيكون مزيجا من حراك داخلي مدني وعسكري، مع ضغط إقليمي ودولي، وخاصة من دول الجوار مصر وتونس لأن ما يجري في ليبيا، اليوم، يستهدف أمنهما الوطني.

إن كل هذه الضغوط تستهدف إرغام الأطراف المتصارعة على الجلوس إلى طاولة الحوار للوصول إلى وفاق وطني، تجبر فيه الأضرار ويعاد بناء مؤسسات الدولة الوطنية مثل الجيش والشرطة وجهاز القضاء، وفي حالة فشل هذه المحاولة للوصول إلى حل سياسي خلال الشهور القليلة القادمة يستوعب الجميع وينبذ سياسة الإقصاء والتهميش، فإن ليبيا ستدخل في سيناريو العراق وستختلط فيها الأجندات الإقليمية والدولية، وفي تلك اللحظة سيضطر العالم إلى تشكيل تحالف جديد لمحاربة “دامش” على غرار محاربته لـ”داعش” اليوم.


كاتب ليبي

9