ليبيا وانتخابات بضمانات دولية

الخميس 2016/08/04

يتنامى التأييد بين مختلف فئات الرأي العام الليبي، بفكرة العودة إلى الناخب الليبي في منح تفويض جديد لمجلس نيابي يباشر قيادة المرحلة القادمة، بعد انتهاء صلاحية الأجسام السياسية الموجودة على الساحة، ووصولها إلى نهايات أدت إلى استفحال الأزمة ودخول البلاد في نفق لا وجود لبصيص نور في نهايته.

وصل هذا الترحيب إلى حد أن أصواتا ارتفعت تطالب بسرعة إنجاز هذه الانتخابات، أثارت مخاوف زملاء وأصدقاء في التيار المدني الليبرالي، لأنها أصوات صدرت من الطرف المعارض لتوجهات الدولة المدنية، وتحديدا رموز الإسلام السياسي المنخرط في إدارة البلاد في الوقت الراهن، وصاحب المسؤولية الأولى عن الانحدار في مهاوي الفشل الذي آلت إليه ثورة 17 فبراير منذ سيطرتهم على مقدراتها، ويرى عدد من الزعماء والقادة في جماعة الإخوان والحزب التابع لها، حزب البناء والعدالة، أن هذه الانتخابات هي الوسيلة الناجعة لإنهاء الخلافات وحل الأزمات ورسم طريق المستقبل للبلاد، وقد أرسل علي الصلابي، أحد الزعماء النافذين في الجماعة، رسالة إلى مجلس النواب في البيضاء، والمجلس الرئاسي في طرابلس، والمجلس الأعلى الدولة يطلب منهم سرعة العمل على إنجاز هذا الاستحقاق للخروج من الأفق المسدود للبلاد.

سبب المخاوف التي سمعتها من أهل التوجه المدني، هو أنهم يتحسسون من أي مبادرة يتبناها الإسلاميون في ليبيا، لانعدام الثقة بينهم وبين أهل هذا التيار، لأنهم كما يقولون أصحاب أجندات وتحالفات، وسبق إصرار وتصميم على الفوز بالسلطة، يرحبون بها إذا جاءت عن طريق الاقتراع، وإذا لم تأت فإنهم يمدون أياديهم لانتزاعها بالمغالبة والحيلة والالتفاف على إرادة الناس، والشواهد كما يقولون كثيرة على ذلك، كان آخرها ما حدث في آخر انتخابات نيابية، والتي جاءت بنتائج مخيبة لتوقعاتهم، فافتعلوا حربا لا دافع لها ولا حافز إلا السيطرة والتسلط، وهاجموا طرابلس بأرتال من ميليشياتهم منذ عامين، ودمروا مطار طرابلس الدولي، وأحرقوا خزانات النفط، وأجبروا أحياء ومناطق على الهجرة، واستولوا على العاصمة وأداروا مقدراتها لحسابهم.

وكان ردي على هؤلاء المتخوفين، أولا أن صندوق الاقتراع مطلب عادل لا أحد يستطيع أن يعارض طرفا يريد الاحتكام إليه، وثانيا فإن صندوق الاقتراع وسيلة ناجعة للفصل في النزاعات وتجاوز الأزمات، لا وجود في الحالة الليبية بديلا عنها، بعد أن وصلت كل مبادرات التسوية إلى طريق مسدود.

ولا يبقى بعد الاتفاق على إجرائها بين أطراف النزاع، وألوان الطيف السياسي في ليبيا، إلا توفر شرط الأمانة والنزاهة في إدارة هذه الانتخابات، ومنع أي طرف يملك وسيلة ضغط -سلاحا أو مالا- من استخدامها، بل تجريم هذا النوع من الممارسات ومنعه من دخول الانتخابات، وإبطال ترشيح المرشح الذي يعتمد على مثل هذه الأعمال لتسويق نفسه، وضمان ألا يعمل الاتجاه الإسلامي كما عمل سابقا على اختراق أسس النزاهة والأمانة.

تبديد مخاوف الليبيون حول انتخابات تقام في ظل انتشار السلاح وهيمنة الميليشيات، لا يحدث إلا عبر ضمانة الأمم المتحدة، باعتبارها الطرف الذي سيديرها، والذي سيوفر لها الحماية عبر قوات حفظ السلام الأممية وحزمة الإجراءات المعتمدة في كل انتخابات تقام تحت إشرافها، بما في ذلك الحسم في تطبيق القانون وإنزال العقوبات بكل من تسول له نفسه العبث بالانتخابات.

وإذا كان هناك تمهيد لقيامها وضمان نجاحها، فهو جلب كل الأطراف الليبية للاتفاق حول إجرائها، واعتبارها الحكم في كل ما يثار بينها من خصومات، لأن المجلس الجديد سيكون مفوضا من الشعب، برسم خريطة الطريق للمرحلة القادمة التي تؤهل البلاد لبناء الدولة، ومؤسساتها الدستورية الدائمة، واعتبار نتائج هذه الانتخابات ملزمة للجميع، غير قابلة للنقض والمراجعة من أي طرف، إلا ما يفصل فيه القضاء من نزاعات تحدث عادة في المواسم الانتخابية.

السؤال الذي يجب أن يترك للأطراف السياسية الإجابة عليه قبل إقرار الانتخابات، هو ما إذا كان البرلمان القادم مؤقتا، مثل المؤتمر الوطني ومجلس النواب السابق، يضاف إلى المرحلة الانتقالية، أو أنه مجلس ندخل به مرحلة بناء الدولة ويكون جزءا من خارطة طريق تبدأ به أو بالاستفتاء على الدستور، ثم تلي هذه الانتخابات البرلمانية انتخابات رئاسية أو استفتاء على نظام ملكي، مع إجراءات يكتمل بها نظام الدولة في مرحلة الثبات التي تعقب المرحلة الانتقالية.

كاتب ليبي

9