ليبيا وتعدد اللاعبين

الجمعة 2015/02/20

دخلت ليبيا مؤخرا مرحلة جديدة من الصراع. وهي مرحلة تجلت من خلال عملية ذبح المواطنين المصريين الأقباط في مدينة سرت، وهي مدينة تقع تحت سيطرة ميليشيات فجر ليبيا، التي تتكون من بقايا الأقليات التركية بمصراتة، والمتحالفة أيضا مع جماعة الإخوان المسلمين، وتنظيم القاعدة المتمثل في الجماعة الليبية المقاتلة وأنصار الشريعة الذي يقاتل الجيش الليبي في بنغازي، بالإضافة إلى جناح تنظيم “داعش” في ليبيا المتمركز في مناطق ومدن درنة وصبراتة والسدادة وتاجوراء والزاويـة، بالإضافة إلى مناطق من الجنوب الليبي.

إن الصراع الداخلي في ليبيا يدور الآن بين الجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر، ومعسكر الإرهابيين الإسلاميين والمتحالفين معهم، أو هو بين الفرق التي تشكل قيادة الجيش الليبي، ضد متطرفي مدينة مصراتة التي تعد قاعدة للإرهابيين الإسلاميين.

من هنا يمكن القول إن البرلمان المنتخب وذراعه العسكرية، الجيش الليبي، يسيطران على المنطقة الممتدة من طبرق حتى بن جواد، باستثناء درنة وأحياء في بنغازي، في حين تسيطر الميليشيات الإسلامية الإرهابية والأقليات التركية على معظم المنطقة الغربية.

ومن الناحية السياسية فإن المؤتمر الوطني المنحل يمثل الواجهة السياسية لمليشيات فجر ليبيا الإرهابية، في حين يمثل البرلمان، الذي يواجه حكم المحكمة العليا للتشكيك في شرعيته، حكومة عبدالله الثني.

ويبقى الطرف الثالث والمهم وهو الذي يشكل أغلبية الشعب الليبي والمتمثل في القبائل الليبية التي رفضت التدخل العسكري عام 2011 ثم ألغيت من العملية السياسية بعد سقوط نظام معمر القذافي.

ثم منعت من المشاركة في مباحثات جنيف التي تشرف عليها منظمة الأمم المتحدة، هذا بالإضافة إلى مليوني مهجر ليبي في الخارج و300 ألف مهجّر في الداخل، وكلهم ممنوعون من المساهمة في العملية السياسية في جنيف، بل يصنفون كأعداء من طرف ميليشيات “فجر ليبيا” الإرهابية.

بعد عملية ذبح الأقباط المصريين الأخيرة انكشف المستور، وأصبح الخلاف الأوروبي الأميركي يزداد اتساعا حول الأزمة الليبية. حيث تتحالف الولايات المتحدة مع تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، في حين ترى أوروبا أنهم يشكلون عباءة الإرهاب الناعمة، خاصة بعد تورط رجب طيب أردوغان وتركيا في عملية باريس الإرهابية.

ومن هنا فإن الأوروبيين أصبحوا يرون التهديد القادم من ليبيا أكثر خطورة مما يجري حتى في سوريا والعراق، هذا فضلا عن المشاكل المترتبة عن الهجرة غير الشرعية وتجارة السلاح والمخدرات.

في حين ترى الولايات المتحدة أن وضع ليبيا الحالي سيمكنها من إعادة تخريط المنطقة بما في ذلك مصر والجزائر، ولهذا فإن التحرك المصري السريع كان ردا وتفاعلا مع هذا المخطط، بمحاولة إجهاضه مبكرا.

ولذات الأسباب المذكورة كان تصريح رجب طيب أردوغان قويا ضد مصر، لأن التدخل المصري في ليبيا سوف يربك اﻻتفاق الأميركي – التركي بخصوص تمكين أقليات تركيا في مصراتة، والإخوان المسلمين والإرهابيين الذين يأتمرون بأوامر أردوغان شخصيا. وسيحرمهم التدخل المصري من تحقيق أهدافهم، ومن ثمة سيربك المخطط الأميركي إعادة تشكيل خارطة المنطقة.

ولقد كان الموقف الأميركي واضحا منذ أن فرضت على برناردينو ليون (رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا) مشاركة المؤتمر الوطني المنتهية وﻻيته، وإجباره على أن يكون طرفا ندا للبرلمان المنتخب، وأمرته أيضا بحرمان القبائل الليبية من المشاركة في مباحثات جنيف، وهي تعرف أن المجتمع الليبي أكثر قبلية من أفغانستان، وتعرف كذلك أن المجلس الأعلى للقبائل في أفغانستان (اللويا جيركا) هو الذي ساهم في تطور العملية السياسية فيها، كما أنها ضغطت (أي أميركا) على الجزائر لكي تدعم الإسلاميين، وتطرح مبادرة لإنقاذهم من السقوط كما حدث لهم في مصر.


كاتب ليبي

8