ليبيا وسوريا.. مبدأ "مسؤولية الحماية" وازدواجية المعايير

الثلاثاء 2014/01/07
صراع المصالح يحتدم والمدنيون يدفعون الثمن في سوريا

لندن - يسلّط الباحث والمحلل السياسي، جاستن موريس، الضوء على مبدأ “مسؤولية الحماية”، الذي أقرّته الأمم المتحدة، لتبرير التدخل في الأزمات الدولية بالقوة. ومن خلال مثالي ليبيا وسوريا يبين موريس كيف يتداخل مبدأ(R2P) مع مصالح القوى التقليدية والقوى الصاعدة بشكل يجعل المواقف أكثر تصلبا.

اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن الحملة العسكرية التي قام بها حلف شمال الأطلسي بتفويض من الأمم المتحدة في ليبيا في ربيع سنة 2011 كانت بداية لترسيخ زمن مفهوم “مسؤولية الحماية”، الذي تُختصر تسميته بالأحرف الأولى (R2P) وهو المفهوم الذي صادقت عليه المنظمة الأممية في اختتام القمة العالمية سنة 2005.

كما أعرب آخرون ممن تابعوا تطور “مسؤولية الحماية” باهتمام شديد عن مشاعر مماثلة: فقد اعتبر راميش ثاكور، مدير مركز الحد من الانتشار النووي ونزع السلاح بالجامعة الأسترالية أن “مسؤولية الحماية” هو عبارة عن “تغير في قواعد اللعبة” وكان بمثابة ‘قاعدة تعبئة قوية جديدة’” على ليبيا. في حين يرى اليكس بيلامي، أستاذ الأمن الدولي أن المفهوم قد لعب دورا هاما في تشكيل رغبة العالم في التصدي للفظائع المرتكبة في الوقت الحالي. لكن سرعان ما بدأت الشكوك تلوح في أفق المنتشين فرحا في ضوء نجاح الهدف الإنساني لهذا المفهوم. وفي الوقت الذي كان فيه مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بصدد مناقشة الأزمة الجارية في ليبيا سنة 2011، اضطر الأمين العام للأمم المتحدة إلى تحويل اهتمامه إلى أماكن أخرى، وما شاهده هناك دفعه إلى التنبيه إلى ضرورة “إعداد أنفسنا للاختبار القادم من هدفنا المشترك للإنسانية قبل فوات الأوان واكتشاف أن الاختبار الحقيقي يكمن هنا في سوريا”. وما يزيد من تفاقم مخاوف بان كي مون هو سجل الأمم المتحدة التاريخي في مثل هذه الظروف .


مستقبل محفوف بالصعوبات


تتناول هذه الدراسة، الصادرة ضمن سلسلة “دراسات دولية” البريطانية، الفرضية القائلة إن التدخل في ليبيا يمثل أبعد نقطة في ازدواجية المعايير الخاصة بمفهوم “مسؤولية الحماية”، وتقترح فكرة بديلة وأساسية يمكن من خلالها التخفيف من الآثار الضارة على المفهوم جراء الأحداث الأخيرة والتدخل العسكري في ليبيا، ولكن ذلك يستدعي أربعة مطالب أساسية:

[ المطلب الأول هو أن النقاش الذي دار كثيرا حول التدخل المسلح في ليبيا يبالغ في الدور الذي لعبه مفهوم “مسؤولية الحماية” في مداولات مجلس الأمن والقرار اللاحق لاستصدار تفويض من الأمم المتحدة يعطي الضوء الأخضر لحلف الناتو بالتدخل

[ المطلب الثاني يتمثل في أنه ثمة من يعتبر أنه على الرغم من الاستخدام المحدود جدا “لمسؤولية الحماية” كأساس للتدخل في ليبيا، فإن الناتو بتدخله لتنفيذ تفويض الأمم المتحدة أثار حفيظة عدد من المشكّكين في نوايا “مسؤولية الحماية” في مسعى منهم لنزع الشرعية عن هذا المفهوم

[ المطلب الثالث هو أنه في ضوء الأزمتين الليبية والسورية، تعتبر هذه الدراسة أن الآفاق المستقبلية لاستعمال “مسؤولية الحماية” كأساس للتدخل في الأزمات الدولية بالقوة قد تقلصت في الوقت الحالي بشكل ملحوظ على الرغم من أن مدى وطبيعة هذا التقليص لا تزال غير مؤكدة وستعتمد في جانب على التغيرات في التوزيع العالمي للقوة.

مسؤولية الحماية
مبدأ أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005 على خلفيات أحداث يوغوسلافيا السابقة ورواندا والكونغو والصومال وكوسوفو وغيرها. ولا يعترف المبدأ بحق السيادة، وإنما يربط هذا الحق بمسؤولية الدولة عن حماية السكان.

أخيرا يقال إنه يمكن الحفاظ على مكانة مفهوم “مسؤولية الحماية” الدولية من خلال استئصال معظم عناصره القسرية، ومن ثم لابد من إعادة صياغته كمعيار مقبول للسلوك السيادي وكأداة موجهة نحو توفير التوجيه والدعم الدولي، في حين أن القرارات الخاصة بالتدخل العسكري القسري ينبغي أن تتخذ خارج إطار هذا المفهوم

غير أنه نادرا ما تم الرجوع إلى مفهوم “مسؤولية الحماية” من قبل أعضاء مجلس الأمن خلال المناقشات المتعلقة بليبيا. كما أعلنت كل من روسيا والصين عن تحفظهما الصريح وانتقدتا الطريقة التي نفذ بها الناتو تفويض الأمم المتحدة في ليبيا وذلك في مسعى لتشويه أهداف ونوايا “مسؤولية الحماية” غير المعلنة في المناقشات الجارية في صلب مجلس الأمن الدولي بشأن التدخل في سوريا.

هناك عدد من العوامل التي تدعم هذا التشخيص. أولا، باعتبار المفهوم المذكور قاعدة عمل في طور التشكل فإن مفهوم “مسؤولية الحماية” لم يبلغ بعد مرحلة التسويق على نطاق واسع كما هو شائع في العادة. ثانيا، اعتبرت الأزمة في ليبيا نموذجا يحتذى من حيث الإمكانات التي يقدمها مفهوم “مسؤولية الحماية” بدرجة أقل، ولكن بمثابة التحذير من المخاطر المترتبة عنه بدرجة أكبر.


بلدان "بريكس"


أجج مفهوم “مسؤولية الحماية” بين المشككين جذوة الشكوك، ومنذ فترة طويلة حول مدى مصداقية القوى الغربية في ظل الميول الإمبراطورية الجديدة إلى عدم استخدام القوة لانتهاك سيادة الدول الأضعف، لتشعل بذلك معارضة علنية لأجندات التدخل الغربي والتي قد تتطور على نحو خطير في المستقبل المنظور.

ثالثا، في هذا الصدد تقف جهات دولية فاعلة بقوة وبالأخص مجموعة بلدان “بريكس” ومن أبرزها روسيا والصين.

لم تعد السيادة توفر للدول حماية حصرية من التدخل الأجنبي؛ فمناط السيادة أن تكون الدول مسؤولة عن رفاه شعوبها

في مقابل ذلك تشعر مجموعة دول “بريكس” ودول عدم الانحياز وغيرها من القوى بمخاوف عميقة إزاء استخدام القوة من جانب القوى الغربية، ومن هذا المنطلق طرح حصول الناتو على تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للتدخل في ليبيا الكثير من التحفظات والانتقادات. وإن مثل هذه المخاوف، إلى جانب التغيرات قصيرة الأمد في النمو والثقة والتوقعات بشأن التحولات الجذرية في السلطة، تشير إلى أن المجلس قد يواجه تحديا لبعض الوقت يدفعه فيما بعد إلى إيجاد إجماع حول سبل وآليات تنفيذ “مسؤولية الحماية”.


حماية دون سياسة


لقد اكتسى هذا القرار على الدوام أهمية كبرى بعد أن أصبح التفكير في استخدام القوة القسرية يهدد المصالح أكثر من ذي قبل ويجعل المواقف أكثر تصلبا. وبالتالي يكون المجتمع الدولي ​​إزاء معضلة: الحالات التي من المحتمل أن يتم فيها استخدام حق النقض أكثر من غيرها تشكل بدورها حالات يصعب معالجتها خارج إطار المجلس. وأن ما يزيد من حدة هذه المعضلة بهذا الشكل هو الحقيقة، كما أشار إليها غاريث إيفانز، وزير الخارجية الاسترالي السابق، “عندما نعطي لعنصر الوقاية منذ البداية الأهمية البالغة في مفهوم “مسؤولية الحماية”… فإنه يجب علينا أن نعترف بأن أصعب الحالات هي عندما تكون على درجة كبيرة من التعقيد مما يتوجب التفكير مليا على الأقل في مسألة القوة العسكرية قبل كل شيء”.

إلا أنه ورغم درجة تعقيدها وصعوبتها عمليا وحساسيتها من الناحية السياسية فإن هذه الحالات لا تحل بشكل جيد بتوخي عوامل على غرار المراوغة وأنصاف الحلول. لذلك فإن الانطباع الذي قدمه مفهوم “مسؤولية الحماية” بأن الحماية أمر يمكن تنفيذه بمعزل عن الاعتبارات السياسية ودون التحيز لأحد الجانبين هو خطأ في الواقع. وفي مقابل ذلك لن تكون بالتأكيد فلسفة “اختر أحد الطرفين واضرب بقوة” متماشية مع توافقات مجلس الأمن الدولي وستكون آثارها المحتملة وخيمة بشكل واضح، ولكن آفاق مفهوم “مسؤولية الحماية” وجدول الأعمال الذي يلي عملية التدخل تبدو في صورة قاتمة بدورها؛ إذ أنه كلما انهار الإجماع في أعلى المستويات السياسية إلا وكان هناك خطر مباشر على مصداقية مشروع مفهوم “مسؤولية الحماية” برمته وفي كل أبعاده المتعددة والمختلفة.

شكلت سوريا على الدوام التضاريس المعادية والمحتملة لإثارة النقاشات والخلافات حول مسؤولية الحماية

إن الجوهر الحقيقي لمفهوم “مسؤولية الحماية” يكمن في فهمنا بأن السيادة تعني المسؤولية بدلا من التفويض، وفي هذا الصدد وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها اللجنة الدولية للتدخل وسيادة الدول، والآمال التي يعقدها البعض من أولئك الذين اجتمعوا في مؤتمر قمة العالم في 2005 على الأقل، يبدو أن مفهوم “مسؤولية الحماية” لم يكن في حجم التطلعات.

ومن غير المرجح كذلك ما إذا كان يمكن لهذا المفهوم، في أكبر حالات الاختبار على غرار سوريا، أن يوفر الوسائل التي يمكن من خلالها أن يتوافق مبدأ السيادة كمسؤولية مع الآراء الداعية إلى القيام بعمل عسكري.

لقد سعت الدراسة من خلال استعراض نتائج مداولات مجلس الأمن الدولي حول الأحداث، في ليبيا وسوريا على وجه الخصوص، إلى تقييم مدى سعي أعضاء المجلس إلى تبرير مواقفهم وسلوكهم الانتخابي بالرجوع إلى مفهوم “مسؤولية الحماية” وبينت كيف أن الدعوات إلى اعتماد “مسؤولية الحماية” كانت محدودة في ما يتعلق بالحالة الليبية، وذلك قبل بيان كيف أن المشككين في هذا الإجراء مثل روسيا والصين قد قاموا، بعد ذلك وبناء على المخاوف بشأن الطريقة التي نفذ بها حلف شمال الأطلسي تفويض الأمم المتحدة في ليبيا، بتعطيل تنفيذ المفهوم والتشكيك في نواياه خلال المناقشات المتعلقة بالأزمة في سوريا.

وبالتأمل في الآثار المترتبة على الأزمتين الليبية والسورية على مستقبل مفهوم مسؤولية الحماية، اختتمت الدراسة بالتأكيد أنه لا يمكن الحفاظ على المكانة الدولية للمفهوم المذكور بشكل أفضل إلا من خلال استئصال معظم عناصره القسرية مع ضرورة إعادة تشكيله كمعيار للسلوك السيادي المقبول وآلية هادفة إلى توفير التوجيه والدعم الدولي، في حين يجب أن تظل القرارات الخاصة بحالات التدخل العسكري القسرية، التي تتشابك حتما مع اعتبارات المصالح الاستراتيجية، خارج إطار مفهوم مسؤولية الحماية.

6