ليبيا وقيام الدولة الثانية

الثلاثاء 2013/11/19

تأسست الدولة الليبية الأولى وأعلن استقلالها في 24 ديسمبر 1951. أعلنت تحت اسم المملكة الليبية المتحدة وتضم الأقاليم أو الولايات الثلاث برقة وطرابلس وفزان. وجاء انقلاب 1969 ليقلب الأمور رأسا على عقب، فساءت أحوال ليبيا لمدة أربعين عاما أو أكثر عاشها الليبيون في دمار شامل لمفهوم الدولة. فالانقلاب عطّل كل شيء، ليزداد الطين بلة في خطاب زوارة 1973 الذي توقفت معه كل التشريعات القانونية وألغيت معظم المؤسسات، وأقيم نظام الجماهير إلى درجة أن الليبيين أصبحوا ينبهرون حين يسافرون إلى دول متقدمة أوروبية أو آسيوية أو أميركية أو حتى عربية، ولا يتوقف الزائر الليبي حين عودته عن وصف تلك الدولة والإشادة بها.

ما نستغربه هو إغفال البعض بأن هذه الدول الناجحة قامت على مشروع اسمه الحداثة. نشأ مشروع الحداثة في الغرب ونجح نجاحا باهرا في جميع المجالات، واستنسخته عدة دول منها الإسلامية (مثل تركيا) وعربية (مثل تونس والأردن) والتي تصنف الأعلى في مؤشرات التنمية رغم نقص مواردها الطبيعية، كالنفط الذي هو عامل إضافي يجعل المشهد أكثر تعقيدا في ليبيا خاصة في جيل الشباب، وأخطر نتائجه انتشار ثقافة «نحن دولة غنية» وبالتالي التقاعس عن العمل والبناء. المشكل أن باقي الدول لم تتبنّ مفهوم الحداثة بسبب اصطدامها بالخطاب الديني، رغم أن مشروع الحداثة يقوم على العدل الذي هو أساس الحكم، والمشاركة وهي الشورى.

الخطاب الديني هو فهم البعض للدين، وهو ليس بالضرورة الدين ذاته، الذي هو آيات محكمات من الله عز وجل ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لكن جزءا من الخطاب الديني يرى أن الحداثة هي خروج عن الدين يتوجب نفيه ومحاربته. وفي ظل عدم وجود مشروع إسلامي متقدّم، أجد صعوبة في تخيل مشروع تقدم أو نهضة في أي دولة إسلامية معاصرة، وليبيا من بينها، وكم أتمنى أن أكون مخطئا. العالم اليوم دخل في مرحلة ما بعد الحداثة، بينما المجتمعات العربية مازالت تعيش في ثلاث ثقافات.ثقافة ما قبل الحداثة وهي تمثل الغالبية.

وثقافة النخبة الكمبرادورية والسلطة، وهذه الثقافة مثلت نخب غالبيتها تعتمد على مشروع الفساد للسلطة الأحادية، وهي نخب انتهازية دائمة البحث على مكاسب من خلال ممارسة دور الوسيط الانتهازي. أما باقي النخب التي تمثل مشروعات مثل اليسار أو الماركسية أو الليبرالية أو العلمانية فإنها تعاني من حالة اغتراب.

والثقافة اللاحقة هي ثقافة العولمة أو ثقافة ما بعد الدولة، وهذه الثقافة تخاطب الجموع مباشرة، وتهمش دور النخب السياسية والاقتصادية والدينية المزيفة. والمعضلة الكبرى لدى هذه الثقافات أن الإنسانية أجابت على الأسئلة الكبرى مثل الدولة والديمقراطية والدستور والقانون والتبادل السلمي على السلطة، ودخلت في مرحلة الأسئلة الصغرى مثل حقوق الأقليات والبيئة وغيرها.

وبالرجوع إلى الحالة الليبية فإننا سنرى قريبا صراعا على شكل الدولة الليبية الثانية، وسيظهر ذلك في كتابة الدستور فهناك العديد من الليبيين الذين يريدون ليبيا دولة دينية، وهناك من ينادي بإرساء الدولة المدنية. وسيظل الصراع قائما إلى أن نجد صيغة توافق على شكل دولة حديثة متفق عليها.

المطلوب إذن إرساء حد أدنى من التوافق قبل البدء في عملية الانتخاب وكل الإجراءات المترتبة عنه، أما السؤال الأهم فهو: كيف سيكون التوفيق والجمع بين المتناقضيْن الحداثة والدولة الإسلامية؟


كاتب ليبي

9