ليبيا ومصادر الإرهاب الثلاثة

الخميس 2014/03/27

تعيش ليبيا حالة تأزم وفوضى، أعطت فرصة لجماعات الإرهاب السياسي أن تقبض على زمام الأمور، في بعض مناطقها وحواضرها، إلى حد جعل الحكومة المؤقتة، تصدر بيانا أسمته بيان غات، خاصا بالإرهاب والاعتراف بوجوده في البلاد، دعت فيه الشعب الليبي لأن يستعد لدخول المعركة الحاسمة معه، ووجهت نداء إلى المجتمع الدولي بأن يهرع لمساعدتها في التصدي له، وأسمت مدنا بعينها هي بنغازي ودرنة وسرت، باعتبارها مدنا وقعت في قبضة الجماعات الإرهابية، وصارت ضحية لأنشطة يومية تتعقب المواطنين الآمنين بالاغتيال، وقد شملت هذه الاغتيالات رجالا من العسكريين المنتمين إلى الثورة وعناصر الشرطة وعناصر القضاء والإعلاميين، والناشطين السياسيين والحقوقيين، وهذا يعني أنها لم تستثن أحدا لم تجعله هدفا لإجرامها الأسود.

كان الحادث المرعب الذي انفطرت له قلوب الليبيين في مشارق الوطن ومغاربه، هو الحادث الإرهابي الذي استهدف حفلا للتخرج في كلية فنية عسكرية في بنغازي فأطاح بعشرات القتلى والجرحى، وأحال تلك الفرحة إلى حمام من الدم. ورغم جسامة الجريمة فإن الأجهزة الحكومية الأمنية والعسكرية، لم تستطع أن تصل إلى أحد من مرتكبي هذه الجريمة، التي بلغت حدا أقصى في بشاعتها، وقطفت أرواح شباب في عمر الزهور، ينتمون إلى أشرف مهنة، هي مهنة الدفاع عن الوطن، في مؤسسة تعليمية عسكرية، التقوا هم وأهلهم ومعلميهم للفرح بوصولهم إلى لحظة التخرج، فإذا بالفرح يتحول إلى مأساة والحفل يتحول إلى مأتم كبير للوطن.

البيان الذي أصدرته الحكومة لا يعفيها من مسؤولية البحث على الجناة، ولا يغطي على ما تعانيه من عجز وفشل وخيبة، بل ولا يستطيع أيضا أن يغطي على حقيقة أن هذا الإرهاب ليس معزولا عن سياسات وقرارات وخطط فاشلة تبناها الحراك القيادي في الحكومة والمؤتمر، وميليشيات فرضت أجندتها على المؤتمر والحكومة، وأرغمتهما على إصدار قرارات لتعزيز مركز هذه الميليشيات وتمويلها وتوفير غطاء من الشرعية لأفعالها التي يدخل بعضها في إطار الجريمة والإرهاب، وضحايا حادث الكلية العسكرية سوف يضافون إلى أكثر من 400 ضحية من ضحايا الإرهاب، لم تستطع الحكومة أن تضع يدها على واحد من الجناة الذين قتلوهم، فهم يرتكبون جرائمهم في أمن وأمان من أي ملاحقة أو عقاب، مما جعل الأمر يستفحل ويزداد سوءا يوما بعد يوم.

وفي البيان نفسه لم تجرؤ الحكومة على ذكر أي تنظيم بعينه، مع أن تسمية الأماكن، مثل درنة وبنغازي وسرت، تشير في مضمونها وفحواها، إلى جماعات الإسلام السياسي المتطرف، مثل جماعة أنصار الشريعة التي ترفع رايتها السوداء في درنة، وهي موصوفة دوليا وأميركيا بأنها من الجماعات الإرهابية، وطبعا يكاد بيان الحكومة أن يحدد جماعة التطرف الإسلامي عندما أضاف معلومة أكيدة وهي أن من بينهم عناصر غير ليبية، ومعلوم أن هذه الجماعة بالذات تحتضن أهل التطرف والغلو الديني وتحمي بعض المطلوبين دوليا، وتكررت أسماء بعض هذه العناصر، ووجودها في أماكن نفوذها في درنة والجبل الغربي حيث تقوم بالتدريب وتوريد السلاح، غير أن ما يحدث في ليبيا من إرهاب، لا يمكن أن يكون محصورا في هذه الجماعة، فهناك سواها من يرتكب الإجرام، ولم تستطع للأسف الأجهزة الأمنية والعدلية والثورية في ليبيا، أن تضع يدها على قرينة واحدة تقدمها للجمهور، وتكون دليلا على هوية الإرهابيين. ولكن التكهن والتخمين يذهب مذاهب شتى، وهناك شبه إجماع على أن للإرهاب في ليبيا مصادر ثلاثة رئيسية، وأيضا مصادر فرعية، والمصادر الثلاثة الرئيسية هي:

أولا، أصحاب الإسلام السياسي، ويأتي على رأسهم أهل التطرف، الذين يجاهرون بتكفير المجتمع، بل وخرجوا علانية يحطّمون مراكز الاقتراع في ليبيا لعدم إيمانهم بالديمقراطية باعتبارها مضادة للشريعة، ويرفعون رايتهم السوداء، وهم لا ينقصهم المدد الخارجي عتادا ومالا ورجالا. وهناك من يضيف إلى أهل التطرف والغلوّ كل أهل الإسلام السياسي لأنه يجدهم مثل الحالة المصرية يخدمون بعضهم بعضا ويناصرون بعضهم بعضا، وفي المواجهات مع الآخرين تنتهي الفروق بين أن يكون هذا إخوانيا معتدلا، والآخر قاعديا متطرفا. فالجميع يصطفون بجوار بعضهم ضد من يسمونهم العلمانيين وأتباع الدولة المدنية، كما يصطفون كتفا إلى كتف عندما تجود الخزينة القطرية بكرمها المعهود، على مختلف أطيافهم، مالا وعتادا ودعما سياسيا.

ثانيا أهل الاجرام الجنائي، وخريجو سجون القذافي من أصحاب السوابق، وهؤلاء يشكلون جزءا من المشهد “الميليشيوي” الإجرامي، الذين استفادوا من حالة الفوضى التي أعقبت الثورة، فقد أخرجهم القذافي من السجون، وبعضهم أخرجهم الوضع الثوري والاحتراب، عندما قام الثوار بإطلاق سراح المساجين السياسيين وتهديم السجون، فخرج مع السياسيين والثوار، أصحاب الجرائم الجنائية، وارتدى بعضهم البدلة الكاكي وانتسب إلى بعض الجماعات التي تحرس الطرقات أو غير الطرقات، كما استفادوا من وجود السلاح مرميا على الأرصفة، فامتشقوا أسلحتهم واستعانوا بها على تنفيذ أجندة إجرامية لا علاقة لها بالثورة ولا الإسلام ولا غير الإسلام، وهناك بالتأكيد، من استفاد من وجودهم باعتبارهم بندقية للإيجار، في تصفية الحسابات مع الخصوم، سواء كانت حسابات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

ثالثا، الفلول، ومهما كان الشعب قد انخرط في الثورة، واسقط من حسابه النظام الانقلابي والطاغية الذي كان يسوقه بالإرغام للعمل حسب أوامره، فإن بعض القبائل وبعض الفئات وبقايا الكتائب وجدت نفسها في الصف المضاد، واستهدفها مجتمع الثوار بالعداء، فتمترست في مواقعها المعادية لثورة 17 فبراير، وحتى إن لم تستطع المواجهة، فإنها تستطيع القيام بأعمال إجرامية في الخفاء، وإذا حانت الفرصة أطلّت بوجهها الحقيقي كما حدث في بعض المواجهات، حيث رفع أزلام النظام الخرقة الخضراء إعلانا لولائهم لنظام الطاغية، ولاشك أن في جعبة ابنه العائد أخيرا من النيجر عن طريق الانتربول، ما يكشف صفحات عن هذا المصدر من مصادر الإرهاب الرئيسية.


كاتب ليبي

8