ليبيا ومعركة الموصل من منظور روسي

الأربعاء 2016/10/19

تراقب روسيا التحركات الغربية العسكرية والأمنية في ليبيا بحذر شديد، وتولي وسائلها الإعلامية، عبر مراسليها المنتشرين في دول المنطقة روسا وعربا، اهتماما خاصا للأحداث الجارية هناك، سواء تلك المتعلقة بالعمل السياسي، أو ذات الصلة بالصراعات الدموية ودور الإسلاميين فيها، أو حتى الحركة المحلية والدولية من أجل الحكم في المناطق البترولية أو ما يعرف بالهلال النفطي.

المتابعة الروسية للأحداث الجارية والمتسارعة في ليبيا، يختلط فيها التحليل بالمعلومات، والتغطية الإعلامية بالنشاط الاستخباراتي، وقد اتسعت أكثر لتشمل منطقة شمال أفريقيا من مصر إلى غاية موريتانيا، وأيضا بعض الدول الأفريقية المجاورة للجزائر، في محاولة منها لتفادي ما سيحصل في المستقبل بعد معركة الموصل، واحتمال هروب أعداد كبيرة من داعش إلى سوريا عبر ممر آمن متفق عليه مسبقا مع قوات التحالف وعبر وساطة من إحدى دول الجوار العراقي، كما أشار إلى ذلك مصدر روسي مطلع، لكن ما علاقة النتائج المحتملة لمعركة الموصل بمتابعة روسيا لتطورات الأحداث في ليبيا؟

هناك علاقة على أكثر من صعيد؛ فهي علاقة ذات طبيعة جغرافية تخص المنطقة العربية لجهة تغييرها بالقوة طبقا لأجندة الغرب، وهي ذات طبيعة سياسية انطلاقا من تغير التحالفات من جهة، والسياق الذي تجري فيه الانتخابات الرئاسية الأميركية من جهة ثانية، وهي على صعيد ثالث، جيو إستراتيجي حيث التواجد الروسي في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، اليوم في سوريا وغدا في مصر، وهو تواجد مقلق للغرب، ويعمل جاهدا لمنع تمدده أو على الأقل التقليل من مخاطره، والّصُّعُد الثلاثة لتلك العلاقة من وجهة النظر الروسية هي التي ستحدد مصير الوطن العربي، ومعه أيضا سيتحدد تقدم أو تراجع روسيا، أو حتى إمكانية التعايش بينها وبين الغرب بما يحقق مصلحة الطرفين، ويبعد شبح الحرب، وقد يؤدي إلى تضارب المصالح أو تناقضها، مما يهدد بتوتر متوقع، سيتحوّل مع الأيام إلى صراع على عدّة جبهات، ومنها الجبهة العربية بحكم أنها في الحاضر الأكثر قابلية للصراع بين القوى المختلفة.

وحسب بعض المراقبين، فإن روسيا اليوم تؤسس لنظرتها السابقة من خلال أربعة مرتكزات.

أولها: اعتقادها الجازم، من خلال تجربتها في سوريا على سبيل المثال، أن الدول الغربية تعمل على حماية ودعم الجماعات الإرهابية، بما في ذلك القيادات من داعش، وأنها هي التي سمحت، بل وأسهمت، في تنقل الكثير من عناصر داعش من سوريا والعراق إلى ليبيا، ولذلك تربط بشكل مباشر بين الحرب الجارية في الموصل، وبين التطورات المنتظرة في ليبيا، خاصة إذا استطاعت، روسيا، منع تسرب عناصر داعش إلى سوريا، وإن كان هذا في حكم المستحيل، لأنهم سيكونون ضمن لاجئين مدنيين، الأمر الذي سيصعب من مهمتها في سوريا، بل قد يجعل الكفة تميل لصالح المعارضة السورية المسلحة، بل لأنه قد يؤدي إلى تحالف بين جبهة النصرة وبين جيوب وعناصر وقيادات داعش الفارة من العراق.

المتابعة الروسية للأحداث المتسارعة في ليبيا، يختلط فيها التحليل بالمعلومات، والتغطية الإعلامية بالنشاط الاستخباراتي، وقد اتسعت لتشمل منطقة شمال أفريقيا من مصر إلى غاية موريتانيا، وأيضا بعض الدول الأفريقية المجاورة للجزائر

ثانيها: أن تمكين داعش لمدة سنتين في الموصل وجعله قوة ضاربة ومتحكمة، ثم محاربته اليوم والانتصار المؤكد عليه، بعد تضخيمه بنفس الطريقة التي ضُخِّم بها الجيش العراقي بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين، ومحاربته واحتلال العراق من خلال قوات متحالفة بقيادة أميركية، سيتكرر في المستقبل المنظور في ليبيا، وأن انتشار داعش وباقي الجماعات الإرهابية في مختلف المدن الليبية يأتي ضمن مخطط إستراتيجي عربي يسهل التَّدخل العسكري، كما هو حاصل الآن، وكما وقع عند قيام الانتفاضة التي أدت إلى سقوط نظام معمر القذافي، ومعه سقطت الدولة الليبية.

ثالثها: أن توزيع الأدوار المنتظرة لقوى خارجية في العراق عموما والموصل خصوصا بعد انتهاء الحرب، وهو ما يحضّر له وزراء دفاع الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش خلال اجتماعهم المقبل في الخامس والعشرين من أكتوبر الجـاري في باريس، يأتي ضمن المخطط العام لتكراره في ليبيا، حيث تستند مختلف القوى الموجودة على الأرض إلى الدعم الخارجي، ويبدو الأمر في ليبيا أصعب مقارنة بالعراق حيث توجد دولة ونظام حكم رغم التدخلات الظاهرة والخفية، والمؤثرة مباشرة في صناعة القرار، بما في ذلك قرار الحرب.

رابعها: أن تحرير الموصل، يأتي ضمن الاهتمام بالفرع على حساب الأصل، كما يكرس التقسيم داخل الدولة الواحدة، ويشجع الصراع بين الطوائف، ويؤسس لوجود بدائل عسكرية للدفاع خارج الجيش الرسمي، ويدفع إلى ظهور تحالفات داخلية وخارجية جميعها ضد سيادة الدولة وشرعيتها ومنظومتها القانونية، صحيح أن الموصل هي عاصمة الخلافة بالنسبة إلى داعش وهي تمثل الثقل الجغرافي في الصراع ضد هذا التنظيم الإرهابي، لكن هذا في التنظير السياسي، وفي الواقع العملي سيتم تعميمه في دول أخرى ومنها ليبيا، ولن يكون مفاجئا، إذا ما تدخلت بعض الدول الغربية منفردة أو ضمن فريق ثنائي أو ثلاثي أو حتى عبر حلف الناتو لتحرير سرت أو بنغازي أو طرابلس أو برقة من أيدي الجماعات الإرهابية، الأمر الذي يشكل قلقا حقيقيا لروسيا، لكنها لا تستطيع الخلاص منه، لأسباب كثيرة، منها أن ليبيا بعد سقوط القذافي أصبحت منطقة نفوذ أميركية وأوروبية، وأنه لا وجود لنظام شرعي قوي ومعترف به يمكن لروسيا أن تنسق معه، وأن تجمع داعش في ليبيا قد يقلل من تواجده في سوريا، وهذا يسهل من مهمة روسيا هناك.

مهما تكن متابعة روسيا للأحداث في ليبيا، فإنها لا تستطيع القيام بأي دور هناك، لأنها منشغلة بالوضع السوري، وتريد الانتصار فيه مهما كانت التكلفة، وتراهن على حليفيْها الجزائر ومصر للقيام بدور فاعل، ومن خلالهما، تراهن على إفشال المشاريع الخارجية في ليبيا، سواء أكانت نتيجة تحالف دول مؤيدة لتيار الإسلام السياسي، أو محاربة له، أو موظفة له بوعي أو من دونه، لكن هذا الرهان لا يعول عليه كثيرا، لأن المشكلات الداخلية في الدولتين، خاصة مصر، تحول دون قيامهما بأي دور، ولأنهما أضعف من مواجهة الدول الغربية، إن لم تكونا في تحالف معها أو مع دول أخرى عربية ومسلمة أصبحت حاضرة بقوة في الأزمة الليبية وما أكثرها.

كاتب وصحافي جزائري

8