ليبيون يبيعون مدخراتهم من الحلي والدولارات لتوفير احتياجاتهم

اضطراب الأوضاع السياسية في ليبيا في ظل عدم التوصل إلى تفاهمات بين الخصوم تعمق من الفوضى التي يعيشها البلد النفطي منذ العام 2011، وهو ما أثر على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر الليبية مما جعل الكثير منها تبيع مدخراتها الثمينة لتأمين حاجياتها.
الجمعة 2017/11/17
الوضع إلى الأسوأ

طرابلس - في أزقة المدينة القديمة لجأ الليبيون لبيع الحلي أو لتبديل الدولارات المخبأة في المنازل، حيث ألقت الفوضى المنتشرة في البلاد طوال ستة أعوام منذ سقوط حكم معمر القذافي بظلالها عليهم.

وتقول فاطمة (40 عاما) من مدينة سبها الجنوبية “لم أتلق راتبي منذ أربعة أشهر”، وكانت تتحدث بينما تبيع ثلاث قطع صغيرة من الذهب لشراء دواء السكري لشقيقتها حسينة التي أضافت “نحن عاجزون.. لا يمكننا فعل أي شيء آخر”.

وفي مؤشرات أخرى على ارتفاع معدل الفقر تتسول سيدات مسنّات من راكبي السيارات في شوارع طرابلس، بينما تصطف الأُسر للحصول على حصص من طعام الصدقات.

وتظهر تقديرات الأمم المتحدة أن نحو 1.3 مليون شخص في ليبيا يحتاجون مساعدة إنسانية في العام الحالي.

واتخذ وضع المواطنين الليبيين منحى أسوأ في الأسبوعين الماضيين، حيث شهد سعر صرف الدينار في السوق السوداء انخفاضا جديدا، بعدما ظل لفترة طويلة عند مستويات شديدة التدني.

ويشتري التجار الغذاء والسلع الأخرى من الخارج بسعر الصرف الرسمي ويبيعونها بالسعر غير الرسمي محققين بذلك أرباحا هائلة، بينما يجني آخرون أرباحا مماثلة عن طريق تهريب الوقود المدعم إلى الخارج.

ويتهم البنك المركزي ديوان المحاسبة والحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة بحجب خطابات الائتمان، التي تموّل الإمدادات الأساسية لبلد منقسم يؤثر الفراغ الأمني وشبكات التهريب المنتشرة به على المنطقة عموما.

ورصد مسؤولون طلبات مريبة أحدها لاستيراد تونة بقيمة 120 ألف دولار أي أكثر مما يستهلكه البلد سنويا، وفقا لما ذكره تاجر ليبي طلب عدم ذكر اسمه خشية انتقام الجماعات المسلحة ذات النفوذ في ليبيا.

وزارة المالية الليبية تسعى إلى خفض فاتورة رواتب القطاع العام عن طريق تسريح نحو 100 ألف شخص

ويقول تجار وخبراء اقتصاد إن الضبابية السياسية عامل رئيسي يضعف العملة، حيث تم تعليق محادثات تتوسط بها الأمم المتحدة لإبرام اتفاق بين الفصائل المتنازعة في الوقت الراهن.

وتكافح ليبيا لتمويل واردات الغذاء وحماية احتياطياتها من النقد الأجنبي التي يقدّر البنك الدولي أنها ستبلغ 67.5 مليار دولار بنهاية العام الحالي مقارنة مع 123.5 مليار دولار في 2012.

ويقول خبراء دوليون إن السبيل الوحيد لحل الأزمة هو خفض قيمة الدينار عن سعر الصرف الرسمي الحالي البالغ 1.37 دينار للدولار.

لكن الاتفاق على استراتيجية اقتصادية في بلد تسيطر عليه فصائل مسلحة وحكومتان متنازعتان وفي غياب أي ميزانية ليس بالمهمة السهلة.

كما أن أي أقلية من أصحاب النفوذ أو تربط أفرادها علاقات متينة وتتربّح من اقتصاد مواز مزدهر لن يكون من مصلحتها التغيير.

ونجحت ليبيا في العام الحالي في رفع إنتاجها النفطي إلى نحو مليون برميل يوميا، لكن الإنتاج يقل بكثير عن مستويات ما قبل انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

وتستخدم معظم إيرادات النفط، التي تشكل عادة نحو 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، لدفع الرواتب بما في ذلك رواتب الفصائل المسلحة التي أضيفت للكشوف الحكومية لدورها في الانتفاضة. وتشمل مخصّصات الدعم ما يتجاوز أربعة مليارات دولار سنويا لدعم الوقود، وهو من أعلى معدلات الدعم في العالم.

وقال حسني بي رئيس مجموعة حسني بي، إحدى أكبر شركات القطاع الخاص في ليبيا، إن العلاوات على سعر الصرف الرسمي والوقود المدعم حولت ليبيا إلى “جنة تمويل عبر الحدود للمجرمين والإرهابيين”.

وأضاف “عدم الاستقرار في ليبيا معظمه إجرامي بسبب غياب سعر صرف متوازن للدينار الليبي كما ينبغي تغيير الدعم من السلع إلى مساهمات نقدية مباشرة”.

وأنفقت ليبيا العام الماضي نحو 26 مليار دولار، لكنها حققت ستة مليارات دولار فقط.

وأفاد تقرير لوزارة المالية أن الحكومية تسعى إلى خفض فاتورة رواتب القطاع العام بمقدار خمسة مليارات دينار سنويا والتصدي للمخالفات، عن طريق تسريح نحو 100 ألف شخص كانوا يحصلون على عدة رواتب.

واعتاد الليبيون على وفرة الوظائف الحكومية وإعانات الدولة حيث سعى القذافي إلى اجتذاب أفراد الشعب. وكان العمال المهاجرون يقومون بالأعمال اليدوية والآن حل محلهم البسطاء من الليبيين.

وقال سلمان راشد، موظف بالقطاع العام، “منذ أكتوبر 2016 لم أستلم من راتبي 500 دينار ليبي إلا ثلاثة أشهر ومرتين 250 دينار. وهذا لا يكفي للاحتياجات اليومية”. وأضاف “الآن أنا أعمل في أعمال البناء وصيانة المباني”.

وسحب أصحاب الأعمال ودائعهم من البنوك خوفا من أن يسرّب الموظفون معلومات عنهم لخاطفين، بينما فضّل آخرون الاحتفاظ بالأموال في المنزل.

وفي متجر آخر بالمدينة القديمة قالت امرأة تدعى كريمة كانت تبدل 500 يورو “أحتاج الذهاب إلى تونس لإجراء عملية وأنا أبيع مدخراتي من العملة الصعبة، الوقت صعب جدا الآن”.

وقال صاحب متجر يدعى صلاح الدين زرتي (52 عاما) “إن ما يصل إلى عشرة أشخاص يأتون يوميا لبيع حليهم”، وأضاف “في البداية كان الوضع كل يوم، ولكن أعتقد أن الناس بدأوا في استنفاد مجوهراتهم”.

4