ليبيون يتحسرون على عهد القذافي بسبب فوضى الصراعات

الوضع المتأزم في ليبيا على جميع المستويات أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، جعل البعض يتحسر على ذلك الهدوء الذي عرفته البلاد في عهد معمر القذافي، رغم ما اتسم به من استبداد أسقطته ثورة 17 فبراير.
الثلاثاء 2016/10/18
لا بدائل مطمئنة

طرابلس - “أزلام القهرة”، هي عبارة تستخدم في طرابلس على نحو ساخر للإشارة إلى أولئك الذين بدأوا يتحسرون على عهد الزعيم السابق معمر القذافي بعد خمس سنوات على مقتله، في بلد بات مقسما وتسوده الفوضى.

وقالت الصيدلانية الليبية فايزة النعاس “كانت حياتنا أفضل في عهد القذافي”، مؤكدة في الوقت نفسه أنها تشعر بـ“الخجل” من كلامها عندما “تفكر بجميع الشباب الذين ضحوا بحياتهم ليحرروننا من الطاغية”، في إشارة إلى الثوار الذين قاتلوا قوات القذافي حتى مقتله فـي 20 أكتوبر 2011.

ومنذ سقوط القذافي المستبد بعد 42 عاما في السلطة، يعاني الليبيون في حياتهم اليومية من انعدام الأمن ونقص المواد الاساسية، بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائي والوقوف في طوابير أمام البنوك التي تفتقر إلى السيولة.

وتسببت الصراعات على النفوذ بين مجموعات مسلحة كثيرة وسط إفلات تام من العقاب، وبين العشرات من القبائل التي تشكل المكون الأساسي في المجتمع الليبي، في تمزيق البلاد.

وأصبح، منذ ذلك الحين، البلد الغني بالنفط بحدوده التي يسهل اختراقها منطلقا لتهريب الأسلحة والمخدرات وخصوصا التهريب المربح للمهاجرين من منطقة جنوب الصحراء الأفريقية الذين يقومون برحلة محفوفة بالمخاطر عبر البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوروبا.

وجعل الجهاديون وخصوصا تنظيم الدولة الإسلامية من الميدان الليبي الشاسع إحدى قواعدهم، مستفيدين من الفوضى.

ويتميز المشهد السياسي، بتنافس على السلطة بين حكومتين؛ حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها والمنبثقة من اتفاق حظي بدعم المجتمع الدولي، وأخرى اتخذت من شرق البلاد مقرا لها وهي منطقة يخضع جزء كبير منها لقوات مسلحة يقودها الجنرال السابق المثير للجدل خليفة حفتر.

ووسعت قوات حفتر في سبتمبر نفوذها ليشمل الموانئ النفطية في شرق البلاد. وقد سمحت باستئناف تصدير النفط من خلال المؤسسة الوطنية للنفط التي تحاول قدر المستطاع الحفاظ على حيادها.

ويستمد حفتر الذي تمت ترقيته مؤخرا إلى رتبة مشير، شرعيته من برلمان طبرق المتمركز في الشرق والمعترف به دوليا مثل حكومة الوفاق الوطني، والذي يؤكد أنه المنقذ والوحيد القادر على إعادة النظام.

وقد تمكن من استعادة جزء كبير من مدينة بنغازي مهد الثورة، التي كانت تحت سيطرة جماعات جهادية، لكن معارضيه يتهمونه بأن لديه هدفا واحدا فقط هو الاستيلاء على السلطة وإقامة حكم ديكتاتوري عسكري جديد.

وأوضح محمد الجرح، الخبير الليبي في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، أن “الليبيين مجبرون على الاختيار بين أمرين يقعان على طرفي نقيض: الفوضى في ظل حكم الميليشيات والإسلاميون المتطرفون.. أو نظام عسكري”. وأضاف “ليست هناك بدائل مقنعة”.

لم يتمكن حفتر حتى الآن من التغلب على المجموعات الجهادية المسلحة القريبة من تنظيم القاعدة في بنغازي، فيما تكافح القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني المنتشرة في مصراتة في الغرب من أجل السيطرة على آخر جيوب جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية في معقلهم السابق في سرت، لكن عندما ينتهي المعسكران من المعارك ضد الجهاديين، ستسعى القوات الموالية لحفتر وتلك التابعة لحكومة الوفاق إلى توسيع رقعة نفوذ كل منهما، مما يثير مخاوف من صراع مباشر بين الجانبين، كما يقول الخبراء.

وأكد ماتيا توالدو المتخصص بالشؤون الليبية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أنه “من الصعب تصور أن البلاد يمكن أن تستعيد استقرارها في وقت

قريب بسبب الانقسامات ورغبة أطراف النزاع بالسيطرة على المجتمعات التي تقاومها”.

وأضاف أن الليبيين الذين عاشوا في ظل “نظام مستبد قمعي ومركزي” في عهد القذافي، يميلون على ما يبدو إلى “شكل آخر من الحكم المستبد أكثر مركزية وفوضوية إما تحت الميليشيات وإما تحت سلطة حفتر”.

ورغم أن الكثيرين في ليبيا يتحسرون على عهد القذافي، فإن الغالبية العظمى تعتقد على غرار عبدالرحمن عبدالعال المهندس البالغ من العمر 32 عاما، أن “الوضع الحالي هو نتيجة منطقية لـ42 عاما من الدمار والتخريب المنهجي من جانب الدولة”.

أما أنصار القذافي الموجودون في المنفى فيعبرون من جهتهم عن ابتهاجهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي. فهم يعتبرون أن الفوضى الحالية تظهر إلى أي مدى كان زعيمهم صاحب “رؤية”، إذ كان قد حذر قبل مقتله من أن الدماء ستسيل في ليبيا من جراء الحرب.

4