"ليتني حجر" سجانون وضحايا في عرض راقص

الأربعاء 2014/10/01
العرض وصف بصري لعالم غير متماسك لا ثابت فيه سوى القلق

دمشق - ما زال الرقص المعاصر بسوريا في فترة مخاضه وبداياته المترددة، بالرغم من بزوغ عدد من الفرق الراقصة التي حققت شهرة مثل “سما” وغيرها، إلاّ أنه إلى الآن لم يكتسب ملامح محددة تبرز أصالته ومعالمه التي من الممكن أن تؤسس لحالة أصيلة بعيدة عن التكرار وتقمص التجارب العالمية.

شهدت خشبة مسرح “سعدالله ونوس” مؤخرا عرض “ليتني حجر”، بإشراف درامي لنورا مراد، وكوريغرافيا لحور ملص، وسينوغرافيا لسعيد الأحمر، عن قصيدة لمحمود درويش من ديوانه “أثر الفراشة”.

يحاول العرض إيجاد صيغة بصرية لقصيدة محمود دوريش، فالفضاء الذي يشكله العرض يحمل ملامح من الأرض/الحجارة، فاللون البني هو الطاغي، بالإضافة إلى الإضاءة التي تختلف ألوانها حسبما ورد في القصيدة.

علاوة على التشكيلات التي ترسمها أجساد الراقصين الثلاثة (مها الأطرش، مدحت الدعبل وإيميل صافية)، إذ لا تبدو في حركاتهم صيغ الإتقان المكتمل أو استعراض القوة الجسدية للراقصين، بل غلبت على الأداء الصيغة التعبيرية، حيث لم يسع الراقصون إلى إتقان الحركات، بل إلى تأديتها بصورة شبه روتينية.

تتردد حركات الجسد وتعلو صيغ القلق والانهزام في استعادة لقول درويش: “لا أحن إلى أيّ شيء، فلا أمسي يمضي، ولا الغد يمضي..”، فالراقصون عالقون في متاهة اللاشيء، وكأن صيغ التكرار تحكم عليهم بالهلاك.

لا يمكن الخروج ولا الفرار، وأي محاولة للانعتاق تُجهض، ليعود الراقصون إلى صيغ التخبط والضياع، فكل منهم يسعى إلى تأسيس علاقة مع الآخر، لكن لا تلبث هذه العلاقة أن تنهار.

وكأن أمنية محمود درويش تحضر على الخشبة في قوله: “يا ليتني حجر، كي أحنّ إلى أي شيء”، رغم ذلك لا يتوافق المنطق الدرامي للقصيدة، وتصاعد الحدث فيها مع الصيغة الدرامية التي قدمها العرض، فالإشكالية الوجودية في نص درويش لم تتضح في الأداء الراقص، كما هي في القصيدة.

العرض اعتمد على نص محمود درويش ذي العنوان نفسه في محاولة لإعادة خلقه بصريا

الرقص قائم بداية على حضور الجسد، على تفعيل طاقته للأقصى وصيغه التعبيرية، العرض لم يتمكن من التأسيس لحضور الجسد، بل اكتفى بالتعبير بصورة مختزلة، لا تجعل المشاهد يستغرق في المتابعة، بل الاتكاء على الموسيقى والفضاء في صورة تطغى على الجسد وقدراته البسيطة.

هناك تساؤلات ترتبط ببنية العرض وتركيبه الدرامي، والقدرة على تحويل الصيغة المكتوبة واللفظية للقصيدة إلى صيغة مشهديّة متكاملة تتمثل بالعمل المسرحي.

تمكن العرض من تحديد معالم بصريّة مرتبطة بالقصيدة، متمثلة بالحائط والنهر والانتظار كما في قول محمود درويش: “حائط سابح، وبيت، يختفي كلما ظهر”، بالإضافة إلى قوله: “انتهى الآن كل شيء، واقتربنا من النهر، انتهت رحلة الغجر، وتعبنا من السفر”.

فحالة اللاّتحديد أو بعبارة أدق التشتت التي تحملها القصيدة اتضحت في العرض المسرحي، وكأن الراقصين يتخبطون في عالم غير متماسك لا ثابت فيه، إلاّ الرحيل والقلق نفسه.

الأجساد تعكس وضعيات الخوف والعزلة، ومحاولة الخروج لتحديد العاطفة تجاه ما هو موجود، لكن طغيان التلبد الحسي وحالة “الحجر” الذي تحملها القصيدة تعيقهم.

فالعلاقات التي تجمع الثلاثة متشظيّة، لا تحمل أي أسس واضحة، وكأن قول درويش: “ربما يقتلوننا، أو ينامون في الممر”، يحقق نوعا من العلاقة بين الثلاثة قائمة على الانهدام.

الراقصون الثلاثة هم الضحايا والسجانون في ذات الوقت، والانتظار موجود دائما، فالوقفات في العرض والصمت وغياب الموسيقى أحيانا، كلها معادلات بصرية عن الانتظار الذي يحكم الشخصيات، التي لن تلتقي أبدا. وهذا ما حصل في النهاية، حيث يتوزع الراقصون الثلاثة على أنحاء المسرح، والفتاة تتأملهم، كأنهم بهذا المشهد في مقاربة لقول دوريش: “وبنت، خرجت تلصق الصور، فوق جدران جثتي”.

16