ليث شبيلات: هذه روايتي المقابلة

الأحد 2017/10/22
توضيحات وحقائق

تعقيبا على ما جاء في مقالة "ليث شبيلات مقاتل أردني شرس ضد الإخوان يفتح جبهات جديدة"، الصادرة في العدد: 10782 (ص8) بتاريخ 15-10-2017، بخصوص "تواصل الشبيلات، في أواخر ثمانينات القرن الماضي، مع فعاليات شعبية جنوبية كانت تخطط لعقد مؤتمر وطني عام تنظمه بالتنسيق مع القوى المعارضة الأردنية وفعاليات اجتماعية في مدينة معان...."، أفيد بأن أن فعاليات من جميع أنحاء المملكة تواصلت معي لعقد مؤتمر وطني وليس فعاليات جنوبية أو من معان وحسب وقد حظيت بإجماع لأكون مقررا للجنة التأسيسية المكونة من 13 شخصا تمثل جميع القوى (النقابات وفتح والشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي والإخوان المسلمون وشخصيات وطنية وقومية ويسارية) ما عدا حزب التحرير، برئاسة الشيخ نايف الخريشة، لصياغة وثيقة المؤتمر وقد صغتها ووقّعت عليها اللجنة وكذلك عشرات الشخصيات قبل إجهاضها بالركض وراء الانتخابات التي استعملت كجزرة لتفتيت صف المطالبين بالمؤتمر.

وورد في المقال أن "الملك الحسين بن طلال أقدم على خطوة استباقية قطع بها الطريق على الجميع، فدعا إلى ميثاق وطني جديد وتشكلت لهذه الغاية لجنة وطنية شملت مختلف أطياف المجتمع الأردني لتتوافق على الميثاق الوطني الأردني. وبالفعل فقد دشنت الدولة الأردنية عبر هذا الميثاق حقبة سياسية جديدة أُعيد من خلالها توضيح وتأكيد بنود العقد الاجتماعي الأردني؛ لتستأنف -بناء عليه- الحياة السياسية الأردنية مسيرتها بنكهة ديمقراطية جديدة، فقد أجريت الانتخابات وأعيدت حرية العمل الحزبي وأوقفت ملاحقات المعارضين الأمنية وأعيد المفصولون إلى أعمالهم كما تم وقف منع السفر بحق المعارضين وأوقف العمل بالأحكام العرفية عامة".

والصحيح أن الانتخابات جرت قبل تشكيل لجنة الميثاق وليس بعدها وكانت الانتخابات هي الجزرة التي أغري بها معارضو الميثاق إذ قد خاض الجميع الانتخابات تحت الشعار العلني "لا للميثاق". وكان أول من انقلب على الإجماع سرّا من وراء ظهرنا الإخوان المسلمون فقد أعلمنا عضو لجنتنا في المؤتمر ممثل الإخوان علي الحوامدة بأنهم قد تم استدعاؤهم إلى القصر ووعدوا بعدم استعمال المادة في قانون الانتخاب التي تعطي الحق للمحافظ برفض ترشيحهم إذا وافقوا على الانتقال من المؤتمر إلى الميثاق.

وهكذا صار إذ وافقوا بعد انتخابهم على المشاركة في لجنة الميثاق رغم تمسّك بعض صقورهم بتأييد صحة موقفي ومنهم الشيخ محمد أبو فارس والشيخ همام سعيد والشيخ كوجق الذين خالفوا الجماعة وعارضوا فرديا الميثاق الذي جاءت به الحكومة المطعّمة بالإخوان.

ومن المضحك أن الملك قام بعزل حكومتهم بعد يومين من إهدائهم له الميثاق وأتى بحكومة فيها الطرف الآخر من المعارضة: القوميون واليساريون، والتي استقالت بعد مدة يسيرة وهكذا بضربتين قضى الملك على معارضة الإسلاميين والقوميين بعد أن شتتهم عن بعضهم البعض. وكان تجمع الطرفين يحظى بسهولة بالأغلبية البرلمانية (48 نائبا من أصل 80) وذلك باستعمال جزرة الاستيزار في حكومات طبعتهم هي بنكهتها ولم يترك أيٌّ منهم أيَّ بصمة أو نكهة فيها.

وعودا إلى إجماعنا السابق على التمسك بالمؤتمر كالعادة فقد كرت مسبحة التخلي عنا وعن المؤتمر بعد أن طعننا الإخوان كمؤتمرين في ظهورنا فانهالت طعنات الآخرين على بقرتنا الذبيحة وهاجر الملتفون حول موقفنا المتمسك بالمؤتمر من صفنا إلى صف رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات الذي كلف برئاسة لجنة الميثاق وبقينا نحن شبه فريدين.

وكان رئيس الحكومة الشريف زيد بن شاكر قد حاول إقناعي في مكتب نائبه سالم المساعدة بالتخلّي عن المؤتمر وأن أعطيهم أسماء كبار المؤتمرين لكي يسمّوهم في لجنة الميثاق التي يرعاها الملك فرفضت فسألني عن السبب فقلت له لا شأن للملك في مؤتمرنا فهو مؤتمر للشاكين ولا يمكن للمشتكى منه أن يكون راعيا للمؤتمر! بل إن الراعي للمؤتمر هو الشعب وهو الذي يعطي الشرعية والسلطة للمؤتمر.

وأضفت أن المسألة ليست مسألة خلاف على الصياغة فقد تعجبني كل كلمة سيكتبها الميثاقيون ولكنني لن أقبل الميثاق لأنه لن ينشأ بقوة وحراسة الشعب وإنما برعاية الملك المشتكى من تجاوز سلطاته.

ثم من بعد ذلك يتساءل البعض لماذا أنا معارض للمعارضات ألا يكفي في ما جرى من جرّ معارضة ساذجة إلى ميثاق استدرجوا إليه ثم تم تنفيسه وإجهاضه (حتى أن رئيسه حاول أن يجمع اللجنة بعد بضع سنوات لاتخاذ موقف وطني تمت مخالفة الميثاق "المحنط" فيه فمنعت السلطة الاجتماع). أين الميثاق الآن؟ لقد أرسله راعيه إلى الحفظ في سلة المهملات. فعن أيّ نكهة ديمقراطية يتكلم المقال دون تحليل عملية إجهاض كل توجه مزعوم نحو الديمقراطية؟

إيران خانت الأمانة في موضوع الطائرات الحربية إذ رفضت إعادتها للعراق كما تقتضي أبسط شروط الأمانة ونسقت مع الأميركان بإدارة وجهها للناحية الأخرى على الأقل ساكتة عن احتلال أفغانستان ثم العراق

وجاء في المقال "عاش شبيلات حياة مرفّهة نوعا ما إذ ظلت عائلته تحظى برعاية خاصة من قبل القصر وتعيش في كنفه، حيث شغل والده المقرب من الحكم مناصب مهمة في الدولة فقد شغل منصب وزير الداخلية ورئيس الديوان الملكي وأمين عمان وسفيرا..."، والصحيح أن الأمر كان مختلفا ولم تكن حكومات الخمسينات من القرن العشرين تشكل حسب الرغبة المنفردة للملك بل إن ضغط الشارع كان له الأثر الأكبر وكانت السلطة تناور لإجهاض حكومات الضغط الشعبي. مثلا من يعرف أن هزاع المجالي كان قائدا للمعارضة البرلمانية في عهد توفيق أبوالهدى وأن سليمان النابلسي أتت به رغبة الجماهير رئيسا وأن شفيق أرشيدات أبوصالح كان من أشد المعارضين مع أنه صار وزيرا ولكنه لم يغير مواقفه وأفكاره (التي لم يرثها الوزير صالح للأسف) بل وضع كل جهده هو وغيره أن يجر الحكومة إلى مواقف أقرب إلى مواقفه.

لا أحد يذكر أن عاكف الفايز في خمسينات القرن الماضي كان من أقطاب المعارضة أما عبدالحليم النمر الحمود الذي كان يعتبر زعيما للأردن فإنه كان في المعارضة وكلهم كان لهم أدوار في الوزارات المشكّلة حسب موازين القوى الشعبية. أما ما قاله عن تربيتنا في كنف القصر فأنصح بمراجعة يوميات عدنان أبوعودة التي صدرت قبل أيام وكان أبوالسعيد بأدبه وحرفيته قد استأذنني إن كنت أسمح بأن ينشر ما سمعه من شكوى الملك حسين من والدي عندما كان وزيرا للدفاع (وليس الداخلية) وكان وقتها هنالك وزراء دفاع حقيقيون إذ عرض على الملك التنازل عن العرش لتوحيد الأردن والعراق تحت عرش ابن عمه الملك فيصل.

يجب فهم المعلومات في سياقها التاريخي ففي ذلك الوقت لم يكن أيّ عربي مؤمن بكيان دولته القطرية إلا كمرحلة في طريق الوحدة، كلهم كانوا وحدويين، الناصريون على طريقتهم الجمهورية الثورية، والملكيون على طريقتهم لكنهم كانوا كلهم طلاب وحدة. نعم كانت تشكل الحكومة بالإرادة الملكية ولكن بعد مشاورات حقيقية صعبة تجري في غالب الأحيان في فندق فيلادلفيا ولم يكن الوزير يأتي لمجرد أن الملك استلطفه.

في حكومة سعيد المفتي وبعد أن تم الاتفاق في فندق فيلادلفيا على تشكيلة الحكومة عاد الوالد إلى الفندق بعد الغداء فوجد وزراء الضفة الغربية المتفق عليهم في الفندق والآخرون غير موجودين فسألهم فقالوا له فرطت تشكيلتك وتشكلت أخرى فقال لهم سترون لن يحدث ذلك فذهب إلى قصر رغدان فوجد الطابع يطبع الإرادة والوزراء متحلقين حوله وقالوا له مبروك باشا وزارة التربية فقال لهم فشرتم أنا لي الدفاع وقال لسعيد باشا أريد مقابلة الملك فقال له إن سيدنا مسرور جدا من التشكيلة فقال له فليغضب الآن خير من أن يغضب غدا فدخل سعيد باشا عند الملك وقال له فرحان باشا يريد مقابلتك فقال له لا! افعلوا ما يريده فرحان. وعاد فرحان إلى فندق فيلادلفيا وأخبر الأربعة باسيتزارهم. نعم هنالك علاقات طيبة مع العائلة المالكة ولكن ليست هي وحدها من تصنع الحظوة كما اليوم للأسف.

وبخصوص الحديث عن أنه "في عام 1970 حدث التحوّل في علاقة عائلته مع القصر، وحسب ما يدور من أحاديث عمانية قديمة فقد أُلقيَ القبض على أحد الفدائيين مختبئا في بيت فرحان شبيلات، ويقال إنه صديق لجأ إلى عائلة شبيلات هاربا من أتون الحرب المستعرة بين الدولة والتنظيمات الفلسطينية، فغادرت العائلة إثر ذلك الأردن... بالمقابل، هناك رأي خاص لفرحان شبيلات في تلك الحرب مع المنظمات دفعه للسفر إلى لبنان قبل أن يستقر في نهاية المطاف في تونس، ولم تعد عائلة شبيلات إلى الأردن إلّا في نهاية السبعينات من القرن الماضي بعد وفاة والده هناك..."؛ نشير إلى أن فرحان شبيلات لم يسكن عمان منذ عام 1956 حتى يوم وفاته وكان سفيرا مقيما في ألمانيا في عام 1970 أثناء حوادث أيلول. لم يغير أحد من العائلة مكانه طوال المدة ولم يلتجئ لنا أيّ شخص. لقد اختلف الوالد مع الملك حول العمل الفدائي وهو سفير وكان في زياراته لعمان ينصح الملك الذي كان يطلق عليه في عام 1968 لقب الفدائي الأول، كان يقول له: يا سيدي لا يجوز أن تلعب دور الفدائي الأول علنا، بل اجتمع بالفدائيين ليلا للتنسيق واجتمع بالسفراء الغربيين نهارا شاكيا مستعملا إياهم ورقة للضغط السياسي لاستعادة الضفة الغربية. وكان يكمل له قائلا: إذا بقيت هكذا فسيأتي اليوم الذي تذبحهم فيه. أما ذهابه إلى تونس كان بدعوة من الرئيس بورقيبة الذي أرسل إليه مرسالا إلى ألمانيا طالبا منه المجيء إلى تونس للسكن فيها، وليس كما جاء للأسف في المقال (بعد ترك الأردن إلى لبنان ليستقر به المقام في تونس).

تحدث المقال عن قضية النفير الملفقة عام 1992، بما يلي "... أبدت جهات أمنية واستخباراتية ألمانية لاحقا أن قضية التنظيم المحظور ملفقة، أصدر الحسين، بعد يومين فقط، عفوا عاما شمل ليث شبيلات، لكن ولأول مرة في التاريخ يرفض سجين العفو الملكي، ويصر ليث أن يكمل مدة حبسه، وهذا ما تمَّ بالفعل، ويعلل ذلك بأن العفو قد جاء ليشمل أيضا خصومه المتورّطين بقضايا فساد"، لكن لم يرفض ليث العفو العام في عام 1992. أما في عام 1996 في قضية انتقاد الهاشميين لعلاقاتهم بالصهيونية التي سجن فيها فقد رفض أن يطلب العفو فجاء الملك شخصيا إلى السجن ليخرجه فخرج. أما في عام 1998 فقد أصدر الملك عفوا عنه في قضية أحداث معان فرفض العفو وأكمل مدة سجنه.

وفيما يتعلق "ناشدت والدته الملك الحسين أن يطلق سراحه، ولبّى الحسين مطلبها بل إنه ذهب بنفسه إلى السجن وأطلق سراح شبيلات بعفو ملكي خاص، وحمله معه بسيارته الخاصة وأوصله إلى بيت والدته"، فالصحيح أن الملك ذهب لزيارة والدتي في أبريل-نيسان 1996 آملا أن تطلب لابنها العفو وكان قد أمضى خمسة شهور في السجن. فبقي يلح عليها إن كانت تأمره بطلب (هكذا كان لفظه المؤدب) وهي تقول له لا أريدك إلا سالما وأنا مسرورة لأراك في صحة وعافية اليوم ثم أخبرتني بعدها أنها استحت من إلحاحه فقالت له بلى أريد! فقال لها أأمري فقالت له أريد صورتك. فقال لها بقوة ولكن ها هي صورتي موجودة في صالونك وعليها توقيعي. فقالت أنا أريد صورة لك بالشماغ والأفضل أن ترسل لي ألبوم صور لك، فأرسل لها صورة موقعة بتاريخ كنت فيه مازلت في السجن.

وجاء في المقال "بل إنه حقق حضورا عربيا وإقليميا وبنى علاقات محفوفة بالالتباس مع العديد من قادة الدول، فكانت علاقته الأولى مع إيران في عهد الثورة، ويقال إن الخميني التقاه أكثر من مرة وإن حوارات دارت بينهما حتى أنه رثى الخميني حين وفاته بمقال مطوَّل ووقف إلى جانب إيران في حربها ضد العراق، لكنه بعدها تمكّن من نسج علاقات قوية مع الرئيس العراقي صدام حسين، وحاول مع آخرين الوساطة لدى إيران من أجل إعادة الطائرات العراقية التي تم تهريبها إلى إيران إبان الحرب الكونية على العراق، لكن تلك الجهود لم تثمر"، أما عن العلاقات المحفوفة بالالتباس فبالطبع ستكون محفوفة بالالتباس لأيّ سطحي يقرأ أحداث السنوات الأربعين الماضية بسياق اليوم وليس بسياق وقت حدوثها. ونبدأ بالإمام الخميني، ليس صحيحا أبدا ما ورد في المقال من أنني التقيته عدة مرات وهو أمر للأسف لم يحدث كما أن أمنيتي التي لم تتحقق بلقاء شي غيفارا الثوري الأممي العظيم لم تجعلني شيوعيا بل إنسانا يقدّر كل مناضل ضد الطاغوت الاستعماري الأميركي الصهيوني فإن إعجابي بثورية الإمام الخميني لم تجعلني أغيّر مذهبي السني الحنفي الأشعري الشاذلي إلى جعفري مع إصراري على احترام مذاهب الأمة جميعا مستنكرا المغالين المتعصبين في كل مذهب. فإعجابي سياسي من الناحية الثورية. هذا في السياق الزمني وكانت جميع القوى الشعبية تقريبا تقف مع إيران في الحرب العراقية الإيرانية من الشيوعيين وحتى الإسلاميين ونصف البعثيين (السوريين في وجه العراقيين) علما بأنني لم أزر إيران ولم أتعرف على أيّ مسؤول إيراني إلا بعد أن بدأت التحضيرات الأميركية لغزو العراق حيث ذهبت مرة في وفد ومرة أثناء حصار العراق لحضور مؤتمر القدس عام 1990 قبل الحرب بأسابيع ثلاثة ثم بعد العمليات العسكرية بطلب من القيادة العراقية لمحاولة تثبيت اتفاق نائب الرئيس عزت الدوري مع الإيرانيين والذي أرسل العراقيون طائراتهم الحربية كأمانة لدى إيران.

موقفي في سوريا ثابت قبل الأحداث وأثناءها وبعدها حتى اليوم معارضا عاقلا ينسجم بالكامل مع موقف المناضل هيثم مناع ومن لفّ لفه من أصحاب الثوابت الثلاث "لا للطائفية لا للتسليح ولا للتدخل الأجنبي"

واعتقدنا أن موقف الإيرانيين من الشيطان الأكبر سيجعلهم يقفون في وجه الغزو فخيبوا آمالنا وصدمنا من موقفهم والقصة طويلة قد لا يكون مكانها هنا ولكن أذكرها لمن يتهمونني بأنني إيراني لمجرد أنني لا أقبل أن تعامل إيران كعدوّ رغم خلافي معها. بل لقد انتقدت عام 1991 الإمام خامنئي في مذكرة مكتوبة سلمت باليد وبقيت أنتظر الجواب في الفندق دون فائدة واتصل بي بشار معروف رئيس جامعة صدام (موجود الآن في عمان) وكان مكلفا بمتابعة الدبلوماسية الشعبية العراقية قائلا لي إن وفد الإخوان المسلمين الذي غادر إيران عند وصولي لطهران يبشرونه بنتائج جيدة فقلت له لا تصدقوا هذه السذاجة فهؤلاء الإيرانيون ج...... فارتبك قائلا أنت تكلمني من طهران ويسمعونك فقلت فليسمعوا. وتلاسنت في الفندق مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى إذ هبّ واقفا قائلا أنا لا أسمح لك أن تنتقدنا في بلدنا فصرخت فيه اجلس أنسيت أن ماكفارلين قد نزل في الطابق العاشر من هذا الفندق فجلس ساكنا (مكفارلين هو المبعوث الأميركي السري الذي رتب صفقة الكونترا التي كانت فضيحة كبرى وكانت الأسلحة من إسرائيل لإيران جزءا منها). بالمناسبة لقد خانت إيران الأمانة في موضوع الطائرات الحربية إذ رفضت إعادتها للعراق كما تقتضي أبسط شروط الأمانة ونسقت مع الأميركان بإدارة وجهها للناحية الأخرى على الأقل ساكتة عن احتلال أفغانستان ثم العراق.

فهل التبس الأمر على الرئيس الشهيد صدام حسين الذي كان يغمرني بمحبته واحترامه عندما استقبلني وأفرج لي عن جميع السجناء والموقوفين الأردنيين عام 1998؟ رغم أن أول كلمة افتتحت بها الكلام في لقاء الساعات الثلاث: أريدك أن تعرف يا سيادة الرئيس قبل أن نبدأ الحديث بأنني كنت وما زلت من أشد المعجبين بالإمام الخميني فلم يهتز له رمش إذ يفهم جيدا أن إعجابي هو بالثورية الأسطورية في الموضوع وليس بالناحية السياسة منه خاصة بعد أن نزعت إيران شادور الثورة ولبست فستان الدولة. والحديث يطول وحتى لا يزداد التباس الكاتب سأحدثه عن الالتباس الحالي الأكبر: موقفي ممّا يجري في أحد أعز وأحب بقاع العالم العربي علينا، سوريا. فبينما عتاولة السياسة ورجال الدولة في دول عريقة ذوات حضارات عميقة مثل تركيا وإيران يحترفون فن السياسة فإننا معشر العرب ليس عندنا إلا سذاجة "إما أبيض أو أسود" رغم أن جميع صراعاتنا لا تنتهي في نهاية الأمر إلا بالرّمادي.

الرمادي الذي كنا نستطيع أن نصل إليه دون تدمير بلادنا واستشهاد أبنائنا (مثل لبنان بالأمس وسوريا اليوم واليمن غدا) فالأتراك والإيرانيون مثلا يتواجهون عسكريا في ساحة غيرهم (سوريا) ويتعانقون ويحضنون بعضهم بعضا اقتصاديا وسياسيا على أعلى المستويات في نفس الوقت وهذا الدهاء وهذه الأناة في التفكير ليست عند بني يعرب فأنت إن لم تكن معي فإنك عدوي. لاحظ أنه فضلا عن السياسة الوطنية فإن لكل من تركيا وإيران مشروعا مذهبيا تدافع عنه وترغب في تقدمه وكلتاهما زعيمة لا جدال حول زعامتها للمذهب ولكنّ أيّا منهما لا يعرّف حربه على أنها حرب من أجل المذهب.

لذلك فإن العقل العربي في معظمه لا يفهم مسألة سوريا إلا بلونين إما أنك مع النظام أو أنك عدوّ للنظام، فإن أنت انتقدت بطش النظام ومظالمه ومفاسده فأنت عدو للنظام وإن أنت انتقدت أداء المعارضة والتجاءها للمستعمر الفرنسي وإلى علم انتدابه الكريه (أنا في شبابي لحقت بزمن علم الانتداب القديم وأعرف أن العلم الحالي لم يصممه حزب البعث ولا عائلة الأسد بل هو علم الجمهورية العربية المتحدة علم الهوية العربية قبل وصول البعث إلى الحكم) ثم التجاؤها إلى الناتو والتسليح والطرح الطائفي العلني فإنك تصبح شبّيحا للنظام. ولعدم الإطالة أختصر: موقفي في سوريا ثابت قبل الأحداث وأثناءها وبعدها حتى اليوم معارضا عاقلا ينسجم بالكامل مع موقف المناضل هيثم مناع ومن لفّ لفه من أصحاب الثوابت الثلاث "لا للطائفية لا للتسليح ولا للتدخل الأجنبي" مضافا إليها لا للقبول بتلاعب المخابرات العربية بالشأن السوري.

اجتمعت مع بعض من يرى رأيي من الإخوان المسلمين في الأردن مع بعض إخوانهم السوريين الموجودين في عمان لإقناعهم بالعدول عن طريق التصادم ففشلنا وذلك بعد أن التقيت أيضا السيد حسن نصرالله خصيصاً لمحاولة أن يدفع كل منّا من جهته بالطرف المنفتح عليه بضرورة التوصل إلى تفاهم سياسي سلمي. ولكن بعد فشلنا ذاك وقفنا نتفرج على العناد الذي دمر البلد الحبيب وقتل وشرّد أهله سنوات طوال لماذا؟ لكي يصلوا رغم حتف أنوفهم إلى الحل الرمادي الذي كان بالإمكان الوصول إليه ابتداء ولكن الآن ليس بإرادتهم بل بإرادة القوى العالمية والإقليمية التي تقرّر لهم المصير. لقد لخصت الموقف كاريكاتوريا قبل سنة: هل تم تدمير البلاد واستشهاد نصف مليون وتشريد الملايين كان حتى يفاوض النظام (بشار الجعفري) النظام (رياض حجاب) ألم تقدر المعارضة حتى على أن تفرز قائدا جماهيريا واحدا؟ الآن وبعد خراب البصرة بدأنا نسمع من غلاة الطرفين كلمة: نشهد أن موقفكم المتوازن هو الموقف الصحيح.

6